لم تنظر إسرائيل برضى إلى خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما حول محاربة تنظيم "داعش"، والذي رأت أنه وإن طفح بالكلام الحاسم إلا أنه لم يتضمن أي تغيير فعلي في سياسته ضد ما اعتبرته "الإرهاب الإسلامي".
وليس صدفة أن عدم الرضى هذا تزامن مع إشارات متزايدة حول تحميل إسرائيل للغرب مسؤولية نشوء "داعش"، كما قال الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز بأن التنظيم ثمرة أخطاء الغرب. وفي هذه الأثناء أعلن أن إسرائيل باتت تستعد لمواجهة عمليات قد يبدأ "داعش" بشنها، إما عبر سيناء أو من خلال هضبة الجولان السوري المحتل.
ورأى المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل أن خطاب أوباما الليلي ضد "داعش" لم يتضمن أكثر من وعود بالقضاء على التنظيم، لكنه لم يرفق هذه الوعود بخطوات عسكرية ملموسة على الأرض. فمقاربة "الأطراف على الأرض"، وفق هارئيل، عند أميركا سيطول انتظارها، لأن أوباما سيكتفي بتكثيف الغارات الجوية على مواقع "داعش" في سوريا والعراق، وفقط يمكن لأميركا دعم قوات كردية وسنية على الأرض، وهذا في نظره كاف.
ويرى هارئيل أن كــلام أوبــاما يعني أن ما سنشهده هو ما كنا نراه، وهي مقاربة أظهرت على مر السنوات أنها لم تمنع تعاظم ولا تمدد "داعش". حيث تبين غالبية التقديرات الاستخباراتية أن قوة "داعش" لا تتراجع جراء خسائره التي يعوضها بمزيد من المقاتلين. وأنه عدا المناطق، التي ساندت فيها قوات التحالف قوات كردية على الأرض، لم يخسر التنــظيم جــوهرياً أية أراض يسيطر عليها. كما أن أمل الأميركيين في الركون إلى قوات سنية معتدلة لم يقد حتى الآن إلى نتائج عملية على الأرض.
وأشار هارئيل إلى أن ثمة خلافا بين الخبراء حول ما إذا كان بالوسع تحقيق حسم على المدى البعيد ضد منظمات إرهابية، أم أن النتيجة هي فقط تقليص واحتواء. ولكن أقل من ذلك فرص تحقيق هزيمة هذه القوى عن طريق الغارات الجوية. وربما أن إسرائيل تعرض مثل هذا الكلام من تجربتها سواء ضد المقاومة اللبنانية أو المقاومة الفلسطينية عموماً. وهذا يقود إلى أن الحرب لا تحسم إلا بخطوات برية لها تكلفتها البشرية، التي تتخوف منها غالبية القوى الغربية، بسبب أنها تتضمن أيضا البقاء على الأرض لفترات طويلة.
وفي كلمة ألقاها الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، أمس أمام مؤتمر صحيفة "غلوبس" الاقتصادية المنعقد في تل أبيب، أشار إلى "داعش" والإرهاب. ورغم أن بيريز رفض الزعم بأن الغرب هو من خلق "داعش" إلا أنه قال "ليس الغرب، وإنما أخطاء الغرب. فالغرب اقترف الكثير من الأخطاء وهذه إحدى ثمرات تلك الأخطاء".
وأضاف بيريز أن "هناك اليوم في الشرق الأوسط حوالي 400 مليون عربي سني. إذا أخذنا مواضيع مثل التمييز ضد النساء فهذه جريمة. ولكن 60 في المئة من السكان هم دون سن 25، وهو ينبغي أن يغدو جمهورنا. 130 مليوناً منهم يحملون أجهزة هاتف ذكية. علينا أن ننقل كل الشرق الأوسط، وربما أيضاً أفريقيا، إلى عهد جديد من العلم والتكنولوجيا". وأشار إلى "أننا في عهد جديد. لقد تركنا تماماً العهد القديم. هذه فترة انتقالية من العهد الذي كنا نحارب ونخرج للحروب إلى عهد العلم. لم نترك الماضي تماماً ولم ندخل تماما إلى المستقبل. ينبغي أن تتوفر لدينا الشجاعة للتخلص من الماضي".
وكانت أوساط عسكرية إسرائيلية قد أشاعت احتمالات تنفيذ "داعش" لعمليات ضد الاحتلال، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد ويتدرب لمواجهة ذلك. وتعتقد جهات عديدة في هيئة الأركان أن عملية لـ "داعش" ضد إسرائيل هي مسألة وقت. ولهذا السبب أجرت هيئة الأركان في الأسبوع الماضي مناورة كان السيناريو فيها عملية كبيرة لتنظيم في الجنوب تطلبت تعامل كتيبة من المظليين مع الموضوع.
وفي مقابلة إذاعية، حاول مستشار الأمن القومي السابق الجنرال احتياط يعقوب عاميدرور تحليل الوضع القائم حالياً. وقال "دعونا نقسم هذا إلى ثلاثة أقسام مختلفة، لأننا ربما قد نصاب بالهيستريا. وحسب التوصيف يبدو كما لو أن آلافاً من رجال داعش يقفون على السياج ويحاولون مهاجمة دولة إسرائيل. الأمر يحتاج إلى تناسب".
وأوضح عاميدرور أن "بوسع داعش مهاجمة دولة إسرائيل، وأنا لا أتحدث عن يهود العالم، وإنما عن إسرائيل في ثلاث نواح: الأولى هي انتظام داخلي عبر عرب إسرائيليين، يخلق نوعاً من خلية لداعش يمكنها أن تجمع ما يكفي من سلاح، مواد متفجرة ومعلومات استخباراتية، وتنفذ عملية على شاكلة ما وقع في باريس. وهذا من أجل منحها التميز. ويستدعي هذا الأمر تحضيرات طويلة، وانتظام أكثر من فرد واحد وأكثر من خمسة أفراد".
وأضاف أنه "في مواجهة هذا لدينا جهاز الشاباك، وحتى اليوم تغطيته للعرب المقيمين داخل حدود إسرائيل تغطية ليست سيئة. وأذكر أنه في موجة العمليات الأخيرة، بالإجمال اثنان فقط من عرب إسرائيل شاركا فيها. لذلك فإنني أظن أنه ليس هنا قلق كبير. للشاباك قلق كبير لأن عليه مواصلة جمع المعلومات والاستعداد. ويبدو أنه سيكون صعباً جداً من هنا تنظيم عملية كبيرة. ليس مستحيلاً، لكنه صعب جدا".
و "المكان الثاني الذي منه يمكن أن ينشأ خطر هو انتظام لداعش في صفوف الفلسطينيين، في القدس أو الضفة الغربية"، حسب عاميدرور. وأضاف "هناك أسهل لهم العمل. الأمر يتعلق بأعداد كبيرة، في أوساط أقل تعاطفاً مع دولة إسرائيل. هناك نشأت في الماضي خلايا حماس، لذلك ينبغي الأخذ بالحسبان أنه قد ينشأ تنظيم كهذا. هناك أيضاً، من حيث المبدأ، صداع الشاباك. وينبغي القول أنه حتى اليوم، حقق الشاباك نجاحات غير بسيطة، وإذا نظرت إلى موجة العمليات الأخيرة، وهي قليلة جداً، أعتقد أن عشرة في المئة كانت بالسلاح".
وفي نظر عاميدرور فإن "المنحى الثالث هو أن يأتينا داعش عبر الحدود. وهذا كان التمرين الأخير للجيش الإسرائيلي في الجنوب. ففي سيناء يوجد تنظيم كبير جداً ومتطور لداعش. هناك خلايا لداعش أيضا في جنوب هضبة الجولان. وهذا يستدعي عملاً خارج الحدود، وهو ما يستعد له الجيش الإسرائيلي، ويتطلب بناء عوائق. وهنا أيضاً يمكن جداً أن تحدث مفاجأة، لكن الجيش الإسرائيلي مؤهل لها. هذه هي المناحي الثلاثة التي كل واحد منها مشكلة بذاتها وتحتاج إلى معالجة. إذا صنعنا من كل هذه عصيدة أو سلطة سنجد أنفسنا متشنجين طوال النهار بدل أن نرتاح على كراسينا".
