قاربت انتفاضة القدس التي انطلقت في أكتوبر الماضي، ضد الاحتلال الإسرائيلي، بمدن الضفة الغربية، وقطاع غزة، وأراضي 48، على الدخول في شهرها الخامس، في وقت كشف فدائيوها الفلسطينيون من شبان "جيل أوسلو"، زيف وفشل المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بالتصدي لها، إلى جانب فشل فصائلها الوطنية والإسلامية وسلطتهم الفلسطينية، في تشكيل قيادة وطنية موحدة لها.
ويخوض الشبان الفلسطينيين الذي ولدوا مع توقيع اتفاق "أوسلو"، والذين تقل أعمارهم عن عشرون عاماً، معركة الدفاع عن المسجد الأقصى، وكرامتهم وحدهم، سيما وأن فصائلهم وقياداتهم بكل أشكالها وألوانها عجزت تماماً عن تشكيل قيادة وطنية تقود المنتفضين ضد الاحتلال.
ولم يقتصر الأمر هنا فحسب بل وفشلت القيادات الفلسطينية بدعم المنتفضين عقب اختلافهم على تسمية ما يقومون فيه، فالبعض يرى أنه هبة شعبية وآخرين يرون أنها انتفاضة، وبين هذا و ذاك تعتبر السلطة الوطنية أن ما يحدث أمراً وارداً وطبيعي تجاه الممارسات العنصرية الإرهابية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.
ويرجح سياسيون فلسطينيون تحدثوا بشكل منفصل مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، أن فشل الفصائل والسلطة بتشكيل قيادة للانتفاضة يعود لأمرين الأول عدم رغبتهم بدفع ضريبة كبيرة لإسرائيل عقب تشكيلهم تلك القيادة والمشاركة بشكل مباشر بالانتفاضة، في حين أن الأمر الثاني يعد شماعة الأعذار لفشلهم بالأول وهو وجود الانقسام الفلسطيني.
وتقف إسرائيل بأجهزتها الأمنية والعسكرية عاجزة أمام السيطرة على العمليات الفدائية (الطعن بالسكاكين- والدهس) التي ينفذها شبان "جيل أوسلو"، لافتقارها معلومات مسبقة عن مواعيد وأماكن تنفيذها، سيما وأنها تنفذ ويخطط لها فردياً، الأمر الذي جعل الإسرائيليون يعشون حالة هوس أمني كبيرة وأصبحوا يتخيلوا كل عربي أو عربية وكأنهم قادمون لطعنهم أو دهسهم.
وسجلت عدة حالات قتل إسرائيليين لإسرائيليين آخرين نتيجة لذاك الهوس، بل إن الأمر زاد عندما كتب إسرائيلي من أصل يمني على صدره وهو يسير في شوارع تل أبيب "أنا يهودي يمني وأحب العرب"، في حين أخذ يهودي متدين أخر يصرخ في شوارع القدس المحتلة قائلاً:" أنا أحب الفلسطينيين"، وحول ذلك الهوس لسخرية على مواقع التواصل الإحتماعي.
ويرى النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، الدكتور حسن خريشة، أن الانتفاضة شقت طريقها وكل محاولات إجهاضها فشلت وهي مستمرة، وآخر عملية للمنتفضين والتي نفذها ثلاث شبان من مخيم قباطية شكلت علامة فارقة فيها، وأكدت أن هناك وحدة عشائرية فلسطينية مع الانتفاضة.
وقال خريشة لـمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، إن: الانتفاضة تعاني غياب الموقف الواضح والصريح من قبل السلطة والفصائل، والحاضنة الشعبية للانتفاضة قوية"، مضيفاً:" إن المنتفضين خرجوا عن طوع الفصائل والسلطة وأصبحوا هم قيادة الشعب، سيما وأنه عبر التاريخ كانت قيادة الشعب تصنع عبر الكفاح المسلح ضد إسرائيل".
وبين خريشة أن المنتفضين منحوا القضية الفلسطينية قيمة ومكانة، مؤكداً أن الفصائل والسلطة تخلوا عن دورهم في قيادة الانتفاضة وأبقوا دورهم فقط بتشيع جثامين الشهداء. وأشار إلى أن الفصائل عليها أن تدرك أن الثورة ضد الاحتلال لا تحسب بالقلم والورقة كما يفعلون في الوقت الحالي.
واعتبر أن المنتفضين أسقطوا نظرية الفلسطيني الذي جرى صنعه من خلال التنسيق الأمني، مؤكداً أن الكل الفلسطيني والإسرائيلي لم يتوقعان أن "جيل أوسلو" لا يمكنه أن يصنع شيء في ظل المتغيرات التي تجري بالمنطقة، قائلاً:" المنتفضين جعلوا العلاقة الحقيقية مع الاحتلال كعدو رئيسي لهم، وقطعوا الطريق أمام أي تسوية سياسية بدون أن يدفع الاحتلال ثمن لها".
وأكد النائب الفلسطيني، أن سكين مفجر انتفاضة القدس الشهيد مهند الحلبي، صنعت ما لم يستطيع المفاوضون الفلسطينيون فعله طوال سنوات التفاوض، واعادوا الاعتبار لخيار المقاومة كطريقة لتحرير الأراضي الفلسطينية، متهماً في ختام حديثه الفصائل والسلطة بعدم الارتقاء لمستوى ما قدم الشهداء المنتفضين.
ويفضل الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أسعد أبو شرخ، خلال حديثه مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، بأن تبقى الانتفاضة الجارية شعبية فردية تتسم بالسرية، على أن تكون لها قيادة من الفصائل الفلسطينية، يمكن كشفها من قبل إسرائيل، ما يعني تسهيل عملية إجهاض الانتفاضة، سيما وأن إسرائيل لديها خبرة في أساليب عمل الفصائل، بينما لا تملك أي خبرة بشأن العمل الفردي الذي يقوده فدائيون "جيل أوسلو" في عمليات الطعن والدهس.
وبين أبو شرخ أن الانتفاضة تحتاج إلى قائد فلسطيني يكون حريص على شعبه، وهذا غير موجود في الوقت الحالي، ما يعني أن الانتفاضة ستستمر بشكلها الفردي، كخطوات دفاعية يمارسها شبان "جيل أوسلو"، عن حقوقهم ومقدساتهم، رغم استمرار تنفيذ الجيش الإسرائيلي الإعدامات الميدانية بحقهم.
واستشهد منذ اندلاع الانتفاضة في بداية أكتوبر/تشرين الأول إلى 173 شهيدا، بينهم 52 من محافظة الخليل، ومنهم 35 أعمارهم تحت 18 سنة، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، في مقابل قتل ما مزيداً عن 30 مستوطناً خلال عمليات نفذها فدائيو "جيل أوسلو"، وبينهم جنود بالجيش الإسرائيلي وفقاً تقرير إسرائيلية.
