فاصبر يا وطني كما انا صابر

غادر مكان عمله باكرا هذا اليوم، متجولا في شوارع مدينة رام الله قرابة الساعتين الى ان ارهقته حرارة الجو التي بلغت قرابة الثلاثين درجة مئوية، فقرر الجلوس في احد مقاهي المدينة، التي اعتاد الذهاب اليها، وطلب من العم ابو محمود النادل، ان يحضر له فنجانا من القهوة.
وبينما كان ينتظر العم ابو محمود ليحضر فنجان القهوة فإذا بصوت خافت ينادي ياصابر فالتفت باحثا عن مصدر الصوت دون جدوى، فعاد الصوت من جديد مناديا يا صابر، فقال بينه وبين نفسه يبدو ان شمس هذا اليوم اصابت ذاك العقل باضطراب واضعا يده على رأسه، وللمرة الثالثة على التوالي تكرر معه الامر نفسه، ولكن هذه المرة كانت مختلفة حيث شاهد المقعد الذي امامه على نفس المائدة يتحرك رغم ان المقعد خاليا، ثم سمع الصوت يقول له ياصابر اهدأ فأنا الوطن انا فلسطين جئت اليك لعلمي بأنك احد المشهود لهم بقراءة الطالع عن طريق فنجان القهوة، واريد منك ان تقرأ طالعي علني اجد بعض ما يفرحني في مستقبلي حتى لو كان ذلك عن طريق التنجيم.
فقال صابر: حسنا يا وطني.. ونادى على العم ابو محمود بصوت مرتفع ان يحضر له فنجانين من القهوة، فقال: ابو محمود ما بك يا استاذ صابر لمن الفنجان الآخر فلا احد جالس معك، فقال صابر: يا عم ابو محمود انه لي هذا اليوم سأشرب فنجانين من القهوة دفعة واحدة..
وما هي الا دقائق حتى احضر ابو محمود القهوة، وقال له صابر دع فنجانا هنا والاخر على الناحية الاخرى من المائدة، ثم وجه صابر حديثه الى الوطن، حسنا يا وطني اشرب قهوتك على مهل ثم اقلب الفنجان، وبعد مرور دقيقتين انهى الوطن شرب قهوته وقلب الفنجان كما قال له صابر...
ثم قال الوطن: حسنا ياصابر هيا ابدأ فانا على عجلة من امري.. فامسك صابر الفنجان بيده واخذ ينظر بتأمل عميق داخل الفنجان ثم ارتعش عشة قوية وكأن عاصفة ثلجية باردة اخترقت جسده..
فقال الوطن: ما بك ياصابر، ما الذي اصابك..
قال صابر: يا وطني لا اعلم من اين أبدأ،،،، فقاطعه الوطن قائلا: يا صابر هيا اخبرني لقد شوقتني لاعلم ماذا يخبىء لي المستقبل...
قال صابر: يا وطني ان مستقبلك غامض ومظلم وخطوط فنجانك معقدة متشابكة، وطريقك شائكة، وهناك نقاط متناثرة ظاهرة على فنجانك وكأنها حبيبات من المطر ستنهمر عليك لتغطي سطحك مشكلة بحارا بل محيطات من الدماء، انها دماء ابناءك الاحرار يا وطني...
فصرخ الوطن: أمتأكد يا صابر مما تقول... اجابه صابر: نعم يا وطني، وهناك الكثير ايضا، اترغب ان أكمل ام انهي الى هذا الحد.. فقال الوطن: اكمل يا صابر .. أكمل..
وتابع صابر قراءته للفنجان قائلا: ان هناك بالفنجان تظهر بعض الاشكال على شكل طيور وزواحف وحيوانات، والتفسير الدقيق لها ان هناك افاع وغربان وخفافيش وذئاب تتربص بك تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليك، فالأفاع ستنفث سمومها والغربان ستنعق معلنة نهاية وطن باحثا عن حريته والذئاب ستنقض عليك يا وطني كفريسة سهلة لتقطيع ما تبقى من ارضك.. وخفافيش تنتظر امتصاص ما تبقى من خيراتك ثم تابع صابر: يا وطني ان مصيرك محصور بينهم، والظلام سيخيم عليك قريبا..
قال الوطن: صدقت يا صابر وأنا اعلم من هم هؤلاء فالأفاعي هم أولئك الذين ازداد ثراءهم بفعل شراكتهم مع اثرياء الكيان الغاصب.
اما الغربان فهم أولئك المتشدقون بالدفاع عن ارضي في خطبهم ومواعظهم ومؤتمراتهم، الذين هم بالحقيقة يزيدون من حدة الصراع والانقسام والتآكل والتشرذم بين ابنائي.
اما الذئاب ياصابر فهم أولئك الذين آتوا على ظهر الشيطان بعد اتفاقية سلام مع غاصبي.. متنازلين عن القدس، حيفا، يافا، الناصرة وعكا.
اما الخفافيش فهم أولئك الذين يتتبعون مسار الاحرار في ارضي لامتصاص دماءهم تنفيذا لأوامر غاصبي..
فقال صابر: على مهلك يا وطني واعلم انني حزين لحزنك واتقطع متمزقا من الداخل، ولكن قبل ان تذهب وتتركني هناك بفنجانك امرا مبشرا انني اجد اشكالا تشبه اشجار الزيتون وجذورها ممتدة متماسكة مع بعضها البعض تنبئنا بولادة جيل بل اجيال من الاحرار ستدافع عنك بكل ما أوتيت من قوة حتى عودتك لتحتضنهم وهم قد انطلقوا بالفعل بعملية تخليصك من غاصب اذاقك ويلات الدمار.. ومن تخليصك من كل متخاذل متهاون في حقك..
فاصبر يا وطني كما انا صابر..

حسن عجوة