من التبرع بالحياة إلى فقدانها.. قصة الصحفية مريم أبو دقة في غزة

مريم أبو دقة.jpg

لم تكن حياة الصحفية الفلسطينية مريم أبو دقة عادية، بل كانت سلسلة من التضحيات التي امتدت من عائلتها الصغيرة إلى ساحة عملها المهني. ففي وقت سابق من حياتها، تبرعت بكليتها لإنقاذ والدها من مرض الفشل الكلوي، وأبعدت ابنها الوحيد إلى أبو ظبي ليعيش بأمان بعيدًا عن الحرب المستمرة في قطاع غزة، ثم قُتلت في غارة إسرائيلية استهدفت مستشفى ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوب القطاع، بينما كانت تمارس عملها الصحفي وتنقل الحقيقة.

استهداف المستشفى

في الخامس والعشرين من أغسطس/آب الجاري، قصفت الطائرات الإسرائيلية مستشفى ناصر، ثاني أكبر المراكز الطبية في جنوب غزة، ما أدى إلى مقتل 22 فلسطينيًا، بينهم خمسة صحفيين. وزارة الصحة في غزة أكدت أن الصحفيين كانوا يوثقون الأوضاع الإنسانية والدمار الناجم عن الهجوم. بين الضحايا كانت مريم أبو دقة، التي عُرفت بحضورها الدائم في الميدان وتغطيتها الميدانية رغم المخاطر.

الحادثة جاءت بعد أسابيع قليلة من استهداف مشابه في العاشر من أغسطس/آب، حين قُتل ستة صحفيين، بينهم خمسة من قناة الجزيرة، في قصف إسرائيلي، ما رفع عدد الصحفيين الذين قتلوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 246 صحفيًا، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

تضحيات شخصية

في خيمة نصبت لإيواء العائلة بعد أن دُمّر منزلهم خلال الشهور الماضية، جلس والدها رياض أبو دقة مسترجعًا ذكريات مؤلمة. قال للأناضول: “ابنتي مريم لم تفكر بنفسها يومًا، بل كانت تفكر فينا جميعًا. حين مرضت بالكلى فوجئت بها تعود من المستشفى وتقول إنها أجرت الفحوصات سرًا، وإنها ستتبرع لي بكليتها. حاولت أن أمنعها، لكنها أصرت قائلة: حياتك أهم من حياتي.”

العملية الجراحية نجحت، وعاد الأب للحياة من جديد. يصف مشاعره قائلًا: “هي موجودة في قلبي، جزء من جسدها في جسدي بعدما وهبتني كليتها لتنقذ حياتي. أنقذتني وقدمت لي أعظم ما تملك.”

مهنة المتاعب

مريم (39 عامًا) التحقت بكلية الإعلام رغم محاولات والدها ثنيها عن “مهنة المتاعب”. دخلت عالم الصحافة باندفاع، وفرضت حضورها عبر تغطيات ميدانية للأحداث في قطاع غزة، الذي يعيش ظروفًا متواصلة من الحرب والحصار.

بعد زواجها، أنجبت طفلها الوحيد غيث، الذي أحاطته برعاية وحنان استثنائيين، قبل أن تقرر إبعاده إلى أبو ظبي مع بداية الحرب الأخيرة. تقول شقيقتها ندى: “كانت متعلقة بابنها جدًا، لكنها أرادت أن تؤمن له مستقبلاً بعيدًا عن القصف والخوف.”

الابتسامة الأخيرة

ندى أبو دقة استحضرت تفاصيل اللحظات الأخيرة لشقيقتها. تقول إن مريم هرعت بعد الضربة الإسرائيلية الأولى للمستشفى لتوثيق الحدث بالكاميرا، وقبل الضربة الثانية كانت تضحك وتلوح بيدها من الطابق الأخير. “ثم غابت للأبد.”

وتضيف: “بعد الضربة الثانية، بحثت عنها في أروقة المستشفى. قالوا لي هناك شهيدة مجهولة ترتدي حذاءً أبيض. حين ذهبت إليها، كانت ملامحها قد اختفت بفعل الضربة، لكنني تعرفت عليها. كانت أختي مريم.”

ندى تحتفظ بأغراض شقيقتها، كاميرا التصوير والهاتف، وتقول: “مريم كانت تتمنى الشهادة. تركت لي أشياءها التي لا تزال تحمل رائحتها.”

استهداف متكرر

استهداف الصحفيين في غزة أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية محلية ودولية. ورغم اعتراف الجيش الإسرائيلي بمسؤوليته عن قصف مستشفى ناصر، فإنه أعلن عن فتح تحقيق، وهي خطوة تقول منظمات حقوقية إنها غالبًا لا تفضي إلى نتائج ملموسة.

وفي بيان صدر عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باللغة الإنجليزية، جاء أن "إسرائيل تأسف بشدة للحادث المأساوي الذي وقع في مستشفى ناصر في غزة". لكن منظمات محلية اعتبرت أن هذه الصيغة لا تعفي الجيش من مسؤوليته المباشرة عن استهداف المدنيين والصحفيين.

السياق الأوسع

الحرب على غزة، المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلّفت حتى اليوم أكثر من 62,966 قتيلًا و159,266 جريحًا من الفلسطينيين، معظمهم نساء وأطفال، إضافة إلى 9 آلاف مفقود على الأقل، وفق بيانات وزارة الصحة في القطاع. كما نزح مئات الآلاف، في وقت تسبب الحصار في تفشي المجاعة التي أزهقت أرواح 317 فلسطينيًا، بينهم 121 طفلًا.

في الضفة الغربية أيضًا، تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية والمواجهات مع المستوطنين خلال الفترة نفسها، وسط تقارير عن هدم منازل وتهجير قسري وتوسيع متسارع للبؤر الاستيطانية.

صحافة تحت النار

منذ بداية الحرب، وثّقت نقابة الصحفيين الفلسطينيين ومنظمات دولية مثل “مراسلون بلا حدود” تزايد الاستهداف المباشر للإعلاميين في غزة. ويقول مسؤولون محليون إن ذلك يندرج في إطار “محاولة إسكات الرواية الفلسطينية ومنع العالم من مشاهدة ما يحدث”.

مقتل مريم أبو دقة مع زملائها داخل مستشفى ناصر يعكس، وفق مراقبين، المخاطر اليومية التي يواجهها الصحفيون في غزة، حيث تُعتبر الكاميرا “سلاحًا” موازياً للكلمة، وسعيًا دائمًا لكشف الحقائق وسط حرب وصفها الفلسطينيون والمنظمات الحقوقية بأنها حرب إبادة.

إرث من التضحيات

بين تضحيتها بجزء من جسدها لإنقاذ والدها، وقرارها بإبعاد طفلها إلى الخارج، واستمرارها في عملها الصحفي رغم التهديدات اليومية، رسمت مريم أبو دقة صورة للمرأة الفلسطينية التي تتحمل أثمانًا مضاعفة في زمن الحرب.

يقول والدها وهو ينظر إلى صورتها: “ابنتي كانت حنونة محبة للجميع، ويكفي أنها وهبتني الحياة من جديد. اليوم رحلت لكنها ستبقى في قلوبنا.”

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة