في ظل التوقعات التي رافقت الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، تتزايد المؤشرات على أن دخول اللجنة إلى القطاع لمباشرة مهامها يواجه تحديات سياسية وأمنية ومالية معقدة، تتقاطع فيها الحسابات الإسرائيلية مع مواقف حركة حماس والتطورات الإقليمية المرتبطة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله في حديث عبر قناة "الغد" تابعته "وكالة قدس نت للأنباء" أن المشهد الحالي لا يمكن اختزاله في مسؤولية طرف واحد، بل هو نتيجة “ألغام سياسية” يضعها طرفا المعادلة الأساسية: إسرائيل وحركة حماس، إضافة إلى غياب التمويل والضمانات الدولية اللازمة لعمل اللجنة.
على المستوى الإسرائيلي، يشير التحليل إلى أن استمرار العمليات العسكرية والقصف ومنع فتح المعابر بشكل كامل، خاصة معبر رفح وكرم أبو سالم، يجعل من الصعب على اللجنة مباشرة عملها في بيئة غير مستقرة. كما أن غياب التسهيلات الميدانية يضعف قدرة أي جسم إداري مدني على أداء مهامه في قطاع يعاني من دمار واسع وأزمة إنسانية متفاقمة.
أما على صعيد حركة حماس، فتبرز إشكالية ملف الموظفين الحكوميين في غزة، حيث تطالب الحركة اللجنة باستيعاب الموظفين وصرف رواتبهم، وهو ما يتجاوز صلاحيات اللجنة وإمكاناتها الحالية، خاصة في ظل عدم تخصيص موازنة مالية واضحة لعملها. ويزيد ذلك من المخاوف من تحميل اللجنة مسؤوليات كبيرة دون توفير أدوات النجاح.
سياسياً، يرتبط تعثر دخول اللجنة أيضاً بتباطؤ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وتشير تقديرات سياسية إلى أن إسرائيل ليست متحمسة للانتقال إلى هذه المرحلة، خصوصاً في ظل الحسابات الانتخابية الداخلية واحتمال استثمار التصعيد العسكري في قطاع غزة ضمن المشهد السياسي الإسرائيلي.
في هذا السياق، يبرز ملف سلاح حركة حماس كأحد أبرز نقاط الخلاف. فإسرائيل تعتبر نزع السلاح شرطاً أساسياً لأي ترتيبات سياسية أو لإعادة الإعمار، بينما تتعامل الحركة مع هذا الملف بحذر، مفضلة البحث عن صيغ تدريجية أو مؤجلة. هذا التباين ينعكس مباشرة على فرص نجاح المبادرات الدولية، بما فيها “مجلس السلام” الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتشير تقارير أمريكية وإسرائيلية إلى أن الاجتماع المرتقب للمجلس في واشنطن، بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد يركز على جمع التمويل لإعادة إعمار غزة ودفع المرحلة الثانية من الاتفاق، لكن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بتوفير ضمانات أمنية متبادلة، تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً وتقدماً في ملف نزع السلاح.
في المقابل، تدعو حركة حماس إلى ممارسة ضغط دولي على إسرائيل لتسهيل دخول اللجنة الوطنية، مؤكدة أنها استكملت الترتيبات اللازمة لتسليم إدارة الشؤون المدنية، بينما ترى أن استمرار القصف وعرقلة إدخال المساعدات يفرغان اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه.
وسط هذه التعقيدات، يبقى المواطن الفلسطيني في قطاع غزة الطرف الأكثر انتظاراً لنتائج ملموسة، سواء على مستوى الإغاثة أو إعادة الإعمار أو استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والخدماتي. غير أن تداخل الحسابات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية يجعل مهمة اللجنة الوطنية محفوفة بالتحديات، ويضع مستقبل المرحلة الثانية من الاتفاق أمام اختبار حقيقي في الأسابيع المقبلة.
