رؤية شرق أوسطية: استهداف منشآت الطاقة "تحول نوعي" في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب).webp

 تشهد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران "تصعيدا استراتيجيا خطيرا وتجاوزا لخطوط حمراء" باستهداف منشآت للطاقة في إيران، التي ردت بقصف منشآت مماثلة في إسرائيل ودول الخليج.

واعتبر مراقبون، تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا))، أن هذا التصعيد يشكل "تحولا نوعيا في طبيعة الصراع من حرب عسكرية تقليدية محدودة إلى حرب استنزاف اقتصادي استراتيجي"، وحذروا من أن هذا التحول يحمل "تداعيات عميقة" على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

وأشار المراقبون إلى أن إسرائيل لجأت إلى "سياسة الهروب إلى الأمام" عبر هذا التصعيد لتعويض "غياب القدرة على حسم الحرب"، وجر الولايات المتحدة معها إلى هذا المسار، بينما ردت إيران بتصعيد أكبر لـ "رفع كلفة الحرب" و"تدويل الصراع".

واستهدف هجوم أمريكي إسرائيلي أمس (الأربعاء) منشآت في حقل بارس الجنوبي في إيران، والذي يعد واحدا من أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم، وهذه هي المرة الأولى التي يجري فيها استهداف مثل هذه المنشآت خلال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير الماضي.

وغداة الهجوم، أعلنت السعودية وقطر والإمارات والكويت في بيانات عديدة اليوم أنه تم استهداف منشآت نفطية وغازية لديها بصواريخ ومسيرات إيرانية، ما تسبب في حرائق وأضرار واسعة في بعض هذه المنشآت.

ولاحقا، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن محطة تكرير النفط في مدينة حيفا شمالي إسرائيل تضررت جراء هجوم صاروخي إيراني.

- تهور إسرائيلي أمريكي

وقال الخبير الأردني وجدي مخامرة، إن التحول من استهداف مواقع عسكرية إلى قصف منشآت الطاقة "تصعيد استراتيجي خطير وتجاوز لخطوط حمراء متعارف عليها ضمنا".

وأضاف مخامرة أن "هذا التحول يعكس انتقالا من حرب محدودة إلى حرب اقتصادية - استراتيجية شاملة، حيث أصبحت الطاقة سلاحا رئيسا".

وأوضح أن هدف إسرائيل وأمريكا من استهداف منشآت الغاز الإيرانية هو "الضغط الاقتصادي الشديد على النظام الإيراني، وإضعاف قدرته على تمويل الحرب، وإثارة اضطرابات داخلية عبر نقص الطاقة والغاز".

وتابع "أما الجانب الإيراني، فيهدف من خلال ضرب منشآت في دول الخليج إلى تدويل الأزمة، ورفع تكلفة الحرب على الغرب والخليج، وإجبار الولايات المتحدة على التراجع خوفا من انهيار أسواق الطاقة العالمية".

وشاطرته الرأي الخبيرة الكويتية في العلاقات الدولية الدكتورة دانه العنزي، بقولها "نحن أمام تحول نوعي في طبيعة الصراع من حرب عسكرية تقليدية محدودة إلى حرب استنزاف اقتصادي استراتيجي، وهذا التحول يحمل تداعيات عميقة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي".

ورأت العنزي أن "هذا التحول ليس عشوائيا بل يعكس منطقا استراتيجيا واضحا لرفع كلفة الحرب، فالمنشآت العسكرية يمكن تعويضها نسبيا لكن استهداف النفط يضرب مصدر الدخل الرئيس لدول الخليج، والهدف إجبار دول الخليج على إعادة حساباتها عبر الضغط الاقتصادي".

كما يهدف ذلك إلى "تدويل الصراع، فالنفط سلعة عالمية وأي اضطراب فيها يؤثر مباشرة على الاقتصاد الدولي، وبالتالي جر القوى الكبرى للتدخل أو الضغط لوقف الحرب"، وفق العنزي.

وأضافت أن استهداف المنشآت النفطية "تصعيد استراتيجي عالي الخطورة، لأنه ينقل الحرب من نطاق عسكري إلى نطاق اقتصادي عالمي، وهذا النوع من الحروب لا يحسم عسكريا بسهولة بل يدفع نحو تسويات سياسية تحت ضغط اقتصادي دولي متزايد".

وذهب إلى الرأي نفسه الدكتور حسين مقداد أستاذ الاقتصاد بالجامعة العراقية، بتأكيده أن استهداف منشآت الطاقة "تطور خطير ينعكس تأثيره على العالم بأسره، لأن هذا القصف سيؤدي إلى تناقص كميات الطاقة، وبالتالي سترتفع أسعارها بشكل كبير خاصة إذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتواصل استهداف هذه المنشآت النفطية".

وأضاف مقداد "أعتقد أن من بدأ باستهداف مصادر الطاقة يريد أن يجبر دول العالم الأخرى المتضررة من حدوث أزمة في الطاقة إلى تأييد حربه والمشاركة فيها إلى جانبه"، قبل أن يتابع أن هذا الأمر "وسيلة ضغط من قبل إسرائيل والولايات المتحدة خاصة على الدول الأوربية للدخول معها في الحرب".

واتفق الدكتور إمطانس شحادة، وهو نائب سابق في الكنيست الإسرائيلي، وباحث في مركز ((مدى الكرمل)) للدراسات في حيفا، مع سابقيه بقوله إن "الحرب تتجه نحو مزيد من التصعيد، فقد رفعت إسرائيل والولايات المتحدة سقف الأهداف إلى مستوى عالٍ جدا.. ومع ذلك لا يمكن القول إنهما يستطيعان تحقيق حسم حقيقي للحرب".

وأضاف أن "إسرائيل انتقلت بسرعة لاستهداف البنى التحتية في إيران، بما في ذلك منشآت النفط والغاز، وهذه أهداف يفترض أن تظهر في مراحل أكثر تقدما من الحرب، لا في هذه المرحلة المبكرة نسبيا، وهذا يعني أن إسرائيل لجأت إلى سياسة الهروب للأمام، أي رفع مستوى النار والتصعيد في محاولة لتعويض غياب الحسم، وهي في الوقت نفسه تجر الولايات المتحدة معها إلى هذا المسار".

واستدرك "لكن كل تصعيد يقابله تصعيد مضاد، ومن هنا فإن ما نشهده من تصعيد إيراني في الخليج وقصف منشآت الطاقة ليس أمراً مفاجئا بل جزء من معادلة الرد".

وأردف أنه "بالنسبة لإيران، فإن توجيه ضربات إلى منشآت حيوية في الخليج يحمل أيضا رسالة مباشرة للولايات المتحدة، لأن أمن الخليج وبناه التحتية الحيوية يعدان جزءاً من المجال الاستراتيجي الأمريكي، وقد رأينا ذلك بوضوح بعد الرد الإيراني على حقل الغاز في قطر، إذ أحدث هذا التطور صدمة فعلية، ودفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتحرك سريعا والتنصل من الهجوم (على حقل بارس الإيراني) ونسبه إلى إسرائيل ثم التهديد بضربات قوية على منشآت الطاقة الايرانية اذا استمرت باستهداف منشآت الطاقة في الخليج".

واعتبر شحادة أن "التهديد الإيراني بقصف منشآت الطاقة في الخليج عامل ضغط على الولايات المتحدة، فكل ما يتعلق بأسواق الطاقة وارتفاع أسعارها يشكل ضغطا حقيقيا على ترامب، لأن أي اضطراب في إمدادات الطاقة ينعكس سريعا على الأسعار العالمية، وهذا بدوره يتحول إلى عبء على الإدارة الأمريكية".

وتابع "هنا تظهر المفارقة بين إسرائيل والولايات المتحدة إذ توجد ضغوط داخلية فعلية على ترامب من أجل وقف الحرب أو على الأقل دفعها نحو نهاية واضحة وسريعة وهذه الضغوط ترتبط أساسا بتداعيات الحرب على أسعار الطاقة، أما في إسرائيل فالصورة مختلفة تماما حيث لا يوجد حتى الآن ضغط داخلي جدي على نتنياهو لإنهاء الحرب".

بدوره، قال الخبير العماني خلفان الطوقي إن قصف منشآت الطاقة "يشكل منعطفا خطيرا يعكس مستوى ما وصل إليه الجانبان الأمريكي والإسرائيلي من تهور، لأنهما بدآ استهداف منشآت النفط الإيرانية أولا، كما يدل على الرد غير العقلاني من قبل إيران، حتى وإن كانت ترى أن هذا الرد مشروع ومبرر".

بينما رأى الكاتب الإماراتي صلاح أحمد أن قصف منشآت الطاقة يمثل "مرحلة أكثر خطورة في طبيعة الصراع، إذ لم يعد النزاع محصورا في الأهداف العسكرية المباشرة بل امتد ليطال مفاصل الاقتصاد العالمي ومصادر الطاقة الحيوية، ما يرفع مستوى المخاطر الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق".

وأضاف أن استهداف المنشآت النفطية يحمل "تداعيات واسعة" تتجاوز حدود الدول المعنية، نظرا لارتباط أسواق الطاقة عالميا ببعضها البعض، موضحا أن أي اضطراب في الإمدادات النفطية يؤدي فورا إلى تقلبات في الأسعار العالمية، ويؤثر في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، الأمر الذي ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من الدول.

وأوضح أن التهديدات المتبادلة بقصف المنشآت النفطية تعكس "انتقال الصراع إلى مرحلة الردع الاقتصادي"، محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة وجر أطراف إقليمية ودولية إضافية إلى دائرة التصعيد.

- تداعيات وخيمة

وأوضحت العنزي أن قصف المنشآت النفطية سيؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، فضلا عن تقلبات في الأسواق المالية خاصة بورصات الطاقة.

وتشمل التداعيات أيضا، بحسب العنزي، "إعادة تشكيل التحالفات الدولية، فالقوى الكبرى قد تعيد تموضعها لحماية مصالحها الخاصة بالطاقة، وتصاعد الدور السياسي لدول مثل روسيا كمصدر بديل للطاقة".

كذلك تشمل "تسريع التحول نحو الطاقة البديلة، فالدول الصناعية قد تستغل الأزمة لتقليل الاعتماد على النفط الخليجي وتعزز الاستثمار في الطاقة المتجددة".

وأوضحت العنزي أن التداعيات لن تقتصر على الدول فقط بل تشمل المواطنين أيضا، متوقعة "ارتفاع تكاليف المعيشة مثل زيادة أسعار الوقود، وارتفاع أسعار النقل والسلع، ومواجهة موجة تضخمية قد تشمل الغذاء والخدمات"، إلى جانب "تأثر سوق العمل من خلال تأجيل مشاريع أو تباطؤها واحتمالات تقليص الإنفاق في بعض القطاعات".

بدوره، قال مخامرة إن قصف منشآت النفط والغاز في دول الخليج أدى لاندلاع حرائق وأضرار جسيمة في هذه المنشآت، وبالتالي انخفض إنتاج النفط والغاز في هذه الدول بنسب متفاوتة، حيث تشير تقارير إلى انخفاض قد يصل إلى 6 - 10 ملايين برميل يوميا بشكل مؤقت.

في حين رأى مقداد، أن تداعيات قصف المنشآت النفطية ستكون وخيمة على مستوى العالم، لأن حدوث أزمة في الطاقة وارتفاع أسعارها سينعكس بصورة سلبية على كل مناحي الحياة، وسوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار جميع المواد لأن النفط ومشتقاته يدخلون في الكثير من الصناعات.

وحذر من أن ذلك "قد يدفع بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات عسكرية بالانضمام إلى أحد الطرفين المتنازعين، وبالتالي سوف يتوسع نطاق الحرب وتزاد تأثيراتها السلبية على العالم كله".

وأوضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان خلق صورة بأن إيران أغلقت مضيق هرمز وقصفت منشآت النفط في دول الخليج وتسعى بذلك لإلحاق الضرر بالعالم خاصة الدول التي تعتمد على نفط المنطقة، أما إيران فتسعى من خلال استهداف المنشآت النفطية إلى الضغط على دول الخليج لكي تمنع الولايات المتحدة من استخدام قواعدها وأجوائها لشن هجمات على إيران، وما بين سعي الجانبين فإن الخاسر هو كل دول العالم لأن أزمة الطاقة بدأت تتوسع وأسعار النفط بدأت ترتفع بشكل كبير.

فيما قال شحادة، إن التداعيات الاقتصادية لقصف المنشآت النفطية ستكون مرتفعة جدا، ومن الواضح أنها ستكون سلبية وعميقة على مستوى المنطقة والعالم، وليس على الدول المنخرطة مباشرة في الحرب فقط.

وأوضح أن "أولى النتائج المباشرة ستكون الإضرار بسوق الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز، لكن التأثير لن يتوقف عند هذا الحد، لأن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على كلفة النقل والمواصلات وسلاسل التوريد والإنتاج، ما يعني عملياً ارتفاعاً واسعاً في الأسعار على المستوى العالمي، أي الدخول في موجة تضخم جديدة".

بينما قال صلاح أحمد إن تأثيرات قصف منشآت الطاقة لن تقتصر على الأسواق المالية أو قطاع الطاقة فقط بل ستنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين من خلال ارتفاع أسعار الوقود والنقل والسلع الأساسية، إضافة إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، وهو ما قد يفرض ضغوطا معيشية متزايدة على المجتمعات.

- سيناريوهات الحرب

وأوضح مقداد أنه "لا سبيل لحل الأزمة غير الضغط على الطرفين لوقف الحرب واللجوء إلى الخيار الدبلوماسي والدخول في مفاوضات، لأنه في حالة استمرار الحرب لفترة أطول سوف ينعكس ذلك سلبيا على العالم بأسره".

لكن شحادة يرى أنه "حتى الآن، لا توجد مؤشرات جدية إلى إمكانية انطلاق مسار سياسي أو دبلوماسي فعلي لإنهاء الحرب، والسبب الأساسي هو أن إسرائيل رفعت سقف أهدافها إلى مستوى عالٍ جداً، وكذلك فعل ترامب، وعندما يرفع طرفان منخرطان في الحرب سقف التوقعات بهذا الشكل، يصبح من الصعب عليهما التراجع دون ثمن سياسي واضح".

وقال إنه "استنادا إلى المعطيات الحالية، والخطاب السياسي المعلن من واشنطن وتل أبيب، فإنني استبعد في الوقت الحاضر وجود توجه جدي نحو وقف الحرب أو التوصل إلى هدنة أو استئناف مفاوضات غير مباشرة بين الأطراف".

إلا أن صلاح أحمد أكد أن "فرص الحلول الدبلوماسية مازالت قائمة رغم التصعيد، إلا أنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف"، مشيرا إلى أن التوصل إلى هدنة مؤقتة قد يشكل مدخلا لاستئناف المفاوضات بهدف احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع تهدد الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي.

كذلك رأى الطوقي أن "العودة إلى طاولة المفاوضات" هي الحل الأمثل لوقف الحرب وإنقاذ المنطقة من الانزلاق إلى حرب شاملة ومكلفة للجميع.

في المقابل، اعتبر مخامرة أن "الوضع حاليا غير مشجع على الإطلاق، فإيران ترفض أي هدنة أو مفاوضات قبل وقف كامل ودائم للضربات الأمريكية - الإسرائيلية، وتطالب بتعويضات وضمانات دولية، كما أن الإدارة الأمريكية رفضت حتى الآن جهود وساطة من دول خليجية وعُمان، وتركز على الانتصار أو إضعاف إيران بشكل حاسم".

ومع ذلك، أشار إلى ثلاث سيناريوهات محتملة هي "هدنة مؤقتة قصيرة إذا وصل الضرر الاقتصادي إلى مستوى يهدد الاقتصاد الأمريكي نفسه" أو "استمرار حرب استنزاف لأسابيع أو شهور مع استمرار الضربات بشكل متقطع"، أو "انهيار داخلي في إيران أو ضغط على طهران للقبول بتسوية".

أما العنزي فقد رأت أن هناك عدة سيناريوهات للحرب "الأول: التهدئة المرحلية عبر وقف محدود للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران والضربات الإيرانية على دول الخليج، واستئناف مفاوضات غير مباشرة".

والسيناريو الثاني، وفق العنزي، هو "تسوية جزئية من خلال اتفاق على حماية المنشآت النفطية مقابل تنازلات سياسية أو أمنية محددة".

والسيناريو الثالث هو "استمرار الاستنزاف عبر استمرار الضربات المتبادلة دون حسم"، في حين يتمثل السيناريو الرابع في "دور القوى الكبرى التي تضغط لاحتواء التصعيد وضمان تدفق الطاقة". 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - (شينخوا)