كشفت شهادات لجنود احتياط إسرائيليين، نشرتها وكالة أسوشييتد برس الأمريكية، عن ممارسات ميدانية خطيرة داخل قطاع غزة خلال فترة وقف إطلاق النار، شملت ـ بحسب رواياتهم ـ أوامر بإطلاق النار على كل من يقترب من “الخط الأصفر”، واستهداف أشخاص بناءً على التخمين دون تحقق واضح من هوياتهم.
وتثير هذه الشهادات، التي أدلى بها ثلاثة جنود إسرائيليين خدموا في غزة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026 وطلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، أسئلة قانونية وإنسانية واسعة بشأن قواعد الاشتباك، ومدى حماية المدنيين في منطقة يفترض أنها خاضعة لاتفاق وقف إطلاق نار.
وقال الجنود، وفق ما نقلته أسوشييتد برس، إنهم قرروا الحديث بدافع “الغضب والحزن” إزاء ما شاهدوه خلال خدمتهم العسكرية، مؤكدين أن واقع الهدنة على الأرض كان مختلفاً تماماً عن الصورة المعلنة سياسياً.
“الخط الأصفر”.. حدود غير مرئية وحياة مهددة
دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بعد عامين من الحرب على غزة، التي خلّفت، بحسب معطيات وزارة الصحة في غزة، أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح من الفلسطينيين، فضلاً عن دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
وبموجب الاتفاق، انسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما سُمي “الخط الأصفر”، وهو شريط افتراضي داخل قطاع غزة يفصل بين مناطق سيطرة الجيش والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالوجود فيها، على أن تتبع ذلك انسحابات إضافية في مراحل لاحقة.
لكن الجنود الذين تحدثوا للوكالة قالوا إن هذا الخط لم يكن واضحاً بما يكفي للسكان، وإن غياب العلامات الفاصلة جعل المدنيين عرضة لخطر الموت، خصوصاً في ظل أوامر ميدانية اعتُبرت ـ بحسب شهاداتهم ـ فضفاضة وقاتلة.
أوامر بإطلاق النار و“هدنة” بلا معنى
ونقلت أسوشييتد برس عن أحد الجنود قوله إن التعليمات كانت واضحة بعد إعلان وقف إطلاق النار: “إذا عبر أي شخص هذا الخط، أطلقوا النار عليه مباشرة”.
ووصف الجندي الأوضاع بأنها “أشبه بالغابة”، قائلاً إنه شاهد جنوداً “يتلذذون” بملاحقة من يعبرون الخط أو يقتربون من عبوره. كما روى أنه رأى زملاء له يصرخون احتفالاً ويتبادلون التهاني بعد استهداف مركبة فلسطينية كانت تسير قرب منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما أدى إلى مقتل من فيها.
وأضاف أن مثل هذه المشاهد أصبحت “مألوفة” بعد وقف إطلاق النار، معتبراً أن وصف ما يجري بأنه هدنة “ليس سوى مزحة”.
قتل بالحدس والتخمين
في جانب آخر من الشهادات، قال أحد الجنود إن القوات الإسرائيلية كانت في كثير من الأحيان بعيدة عن الأشخاص المستهدفين، وتعمل تحت ضغط ميداني كبير، ما يجعل التحقق من هوية الشخص أو نواياه أمراً بالغ الصعوبة.
وأوضح، بحسب ما أوردته أسوشييتد برس ومنظمة كسر الصمت الإسرائيلية، أن طلبات القصف عبر الطائرات المسيّرة كانت تُبنى أحياناً على إحداثيات تقريبية أو على آخر مكان شوهد فيه الشخص المستهدف، لا على معلومات مؤكدة.
وقال الجندي إن تحديد الأهداف كان يستند أحياناً إلى “الحدس والتخمين”، رغم أن الإجراءات الرسمية تشترط تقديم إحداثيات والحصول على موافقة من قيادة أعلى قبل تنفيذ الضربات.
الجيش الإسرائيلي يرد
من جهته، قال الجيش الإسرائيلي للوكالة إن المنطقة المتاخمة لـ“الخط الأصفر” تُعد “بيئة عملياتية حساسة”، زاعماً وجود لافتات تحظر الاقتراب منها.
وادعى الجيش أنه لا يستهدف المدنيين لمجرد الاقتراب من الخط، وأن قواعد الاشتباك لديه تفرض استخدام التحذيرات قبل اللجوء إلى القوة، مع السماح للقوات بالتدخل في حال وجود “تهديد مباشر”.
غير أن شهادات الجنود، كما نقلتها أسوشييتد برس، ترسم صورة مغايرة، إذ تتحدث عن إطلاق نار مميت في حالات لم يكن فيها التهديد مؤكداً، وعن مناخ ميداني يسمح بالتوسع في استخدام القوة.
“صفّوه مهما كلف الثمن”
وقالت منظمة كسر الصمت، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية توثق شهادات جنود خدموا في الأراضي الفلسطينية، إن قواعد الاشتباك العامة في غزة أصبحت “فضفاضة” وتسمح بإطلاق النار بشكل مفرط، خاصة ضد من يعبرون “الخط الأصفر”.
وبحسب شهادة وثقتها المنظمة واطلعت عليها أسوشييتد برس، قال أحد الجنود إن التعليمات بشأن أي شخص يقترب من الخط كانت: “قوموا بتصفيته مهما كلف الثمن”.
كما قال جندي آخر إن الرسالة الصادرة عن القادة كانت تقوم على “حماية الخط بأي ثمن”، مضيفاً أن الشعور السائد بين بعض القوات هو أن “حياة الإنسان ليست لها أي قيمة”.
بعد إنساني وقانوني
تسلط هذه الشهادات الضوء على مأساة المدنيين الفلسطينيين الذين يجدون أنفسهم أمام حدود غير واضحة، في بيئة مدمرة، وتحت تهديد دائم بإطلاق النار. فالخطر، وفق ما تكشفه الروايات، لا يرتبط فقط بالعمليات العسكرية المباشرة، بل أيضاً بالغموض الذي يحيط بمناطق السيطرة، وبقواعد اشتباك قد تجعل الاقتراب من منطقة غير محددة بوضوح سبباً للموت.
ومن زاوية قانونية، تطرح الشهادات أسئلة جدية بشأن مبدأي التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني، وهما مبدآن يفرضان على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتجنب استخدام القوة المفرطة أو العشوائية.
كما أن إطلاق النار على أشخاص بناءً على الاشتباه أو التخمين، من دون تحقق كافٍ من وجود تهديد مباشر، قد يفتح الباب أمام مطالبات بتحقيقات مستقلة في ظروف القتل، خصوصاً خلال فترة يفترض أنها محكومة باتفاق وقف إطلاق نار.
أرقام متصاعدة رغم الهدنة
ووفق وزارة الصحة في غزة، بلغت حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار 929 شهيداً و2811 مصاباً حتى السبت.
كما أظهرت بيانات منفصلة صادرة عن مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها “أكليد” أن شهر أبريل/ نيسان الماضي كان الأكثر دموية في غزة خلال العام، مع ارتفاع عدد القتلى قرب “الخط الأصفر” أو من بين من عبروه بنسبة تتجاوز 25 بالمئة، من 58 قتيلاً في يناير/ كانون الثاني إلى 73 قتيلاً في أبريل/ نيسان.
وفي ظل هذه المعطيات، قال أحد الجنود إن استخدام مصطلح “الهدنة” لم يعد دقيقاً، مضيفاً: “يتعين علينا التوقف تماماً عن استخدام هذه اللفظة؛ فهي لا تخدم إطلاقاً الأشخاص الراغبين في إنهاء هذه الحرب”.
