غارة على مشيّعين في النصيرات وتوسيع «الخط الأصفر»... إسرائيل تعيد رسم مناطق سيطرتها داخل غزة

يتفقد فلسطينيون الأضرار التي لحقت بأحد المنازل عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة غزة في 18 يوليو/تموز 2026. (صورة: هادي داود)

مصادر ميدانية ترجّح محاولة استدراج قيادي في «سرايا القدس»... وتحركات جنوب القطاع تمهّد لإقامة منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية

تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة خلال يومي الجمعة والسبت، مع استهداف مجموعة من الفلسطينيين أثناء توجههم للمشاركة في جنازة بمخيم النصيرات وسط القطاع، بالتزامن مع توغلات وتحركات ميدانية جديدة شرقي دير البلح وحي الزيتون، وإجراءات إسرائيلية في محيط رفح قالت مصادر ميدانية إنها قد ترتبط بخطط لإقامة ما يوصف بـ«منطقة إنسانية» تحت السيطرة الإسرائيلية.

وأفادت صحيفة «الشرق الأوسط»، نقلاً عن مصادر ميدانية في قطاع غزة، بأن طائرة مسيّرة إسرائيلية أطلقت، عصر الجمعة، صاروخاً باتجاه مجموعة من الشبان لدى اقترابهم من جنازة الشاب طاهر عبد الواحد في مخيم النصيرات، ما أسفر عن استشهاد سبعة منهم على الأقل وإصابة أكثر من عشرين آخرين.

وفي حصيلة لاحقة، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين في القطاع الصحي بغزة أن ثمانية فلسطينيين على الأقل استشهدوا وأصيب عشرون آخرون في الغارة التي استهدفت مشاركين في الجنازة، ما يشير إلى ارتفاع الحصيلة الأولية التي أعلنتها المصادر المحلية.

استشهاد طاهر عبد الواحد قبل جنازته

وبحسب رواية المصادر الميدانية التي نقلتها «الشرق الأوسط»، كان الشبان يتوجهون للمشاركة في تشييع طاهر عبد الواحد، الذي أصيب في غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية أثناء خروجه من خيمة النزوح التي كان يقيم فيها متوجهاً إلى مسجد قريب لأداء صلاة الجمعة.

وأضافت المصادر أن عبد الواحد أُصيب بجروح خطيرة، قبل أن تعلن استشهاده متأثراً بإصابته بعد نحو ساعة من الغارة.

وذكرت الصحيفة، استناداً إلى مصادرها، أن عبد الواحد هو شقيق قيادي بارز في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، تقول المصادر إن إسرائيل حاولت اغتياله أربع مرات على الأقل منذ اندلاع الحرب وفي الفترة التي أعقبت دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

فرضية الاستدراج

ورجحت المصادر الميدانية التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أن استهداف طاهر عبد الواحد ربما كان يهدف إلى دفع شقيقه، القيادي المطلوب لإسرائيل، إلى مغادرة مكان اختبائه والمشاركة في الجنازة، بما يتيح رصده واستهدافه.

وتبقى هذه الفرضية تقديراً صادراً عن المصادر الميدانية، ولم يعلن الجيش الإسرائيلي أن قتل عبد الواحد استهدف استدراج شقيقه، كما لم يقدم دليلاً علنياً على وجود القيادي في محيط الجنازة أو نيته المشاركة فيها.

وبحسب المصادر ذاتها، لم يحضر القيادي الجنازة، بينما توجه إليها عدد من المقربين منه، ومن بينهم شخصان قالت المصادر إنهما يعملان معه، قبل استهداف المجموعة على مسافة أمتار قليلة من مكان التشييع.

وقال أحد المصادر للصحيفة إن توقيت الغارة ومكانها يرجحان أن إسرائيل نفذتها بعد إخفاقها في استدراج القيادي نفسه، معتبراً أن استهداف المجموعة قرب الجنازة أدى إلى سقوط ضحايا آخرين كانوا يمرون في المنطقة أو يتوجهون للمشاركة في التشييع.

وأشار المصدر إلى أن الغارة وقعت قبل وصول المجموعة إلى الجنازة بدقائق، محذراً من أن وقوعها بعد وصولهم إلى تجمع المشيعين كان يمكن أن يؤدي إلى حصيلة أكبر من الضحايا.

رواية الجيش الإسرائيلي

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي، رداً على استفسار بشأن غارة النصيرات، إنه استهدف «خلية» تابعة لحركة «الجهاد الإسلامي».

ونقلت «رويترز» عن الجيش قوله إنه على علم بالتقارير التي تحدثت عن إصابة أشخاص وصفهم بأنهم غير مشاركين في القتال، من دون أن يوضح هوية المستهدفين أو يقدم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة الخطر الذي قال إن المجموعة كانت تمثله وقت الغارة.

ووفق مصادر طبية نقلتها الوكالة، أسهم شهداء غارة الجنازة، إلى جانب ضحايا غارات أخرى، في رفع حصيلة الشهداء الفلسطينيين يوم الجمعة إلى 12 على الأقل، بينما أشارت «الشرق الأوسط» إلى حصيلة بلغت 14 قتيلاً في سلسلة الاستهدافات التي شهدها القطاع خلال اليوم ذاته.

محاولات اغتيال سابقة

وقالت «الشرق الأوسط» إن القيادي في «سرايا القدس» تعرض لأول محاولة اغتيال معروفة في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما قصف الجيش الإسرائيلي بناية سكنية كان موجوداً داخل إحدى شققها بمخيم النصيرات.

وبحسب رواية الصحيفة، أسفر قصف البناية عن استشهاد 18 فلسطينياً وإصابة العشرات، بينما أصيب القيادي بجروح خطيرة قبل أن يتعافى لاحقاً.

كما تعرض، وفق شهادات ميدانية سبق أن نشرتها الصحيفة، لمحاولة اغتيال أخرى في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

وقالت المصادر إن صاروخاً استهدف هاتفاً نقالاً مرتبطاً بالقيادي، لكنه لم يكن يحمله في ذلك الوقت، ما أدى إلى إصابة أحد مرافقيه وعدد من المواطنين، بينما كان القيادي على مسافة من موقع الانفجار.

شهداء جدد في حي الزيتون

وتواصل التصعيد السبت، إذ أفادت مصادر ميدانية وطبية باستشهاد ثلاثة فلسطينيين في قصف مدفعي إسرائيلي بمنطقة دولة في حي الزيتون، جنوب شرقي مدينة غزة.

وبحسب التقارير، كان الثلاثة يحاولون الوصول إلى منطقة سكنهم لجلب بعض مقتنياتهم، بعدما نزحوا منها إثر تقدم الآليات العسكرية الإسرائيلية وتوسيع نطاق المناطق القريبة من «الخط الأصفر». والشهداء هم: سالم توفيق أبو زور، وأحمد نمر أبو زور، وسالم توفيق المبيض.

كما أُعلن عن استشهاد شاب فلسطيني متأثراً بإصابته في قصف مباشر استهدفه قرب مفترق الشعبية بمدينة غزة أثناء توجهه لأداء صلاة الجمعة.

 واستشهد المواطن أحمد محمد أحمد البردويل من سكان مدينة رفح في قصف شمال غربي مدينة غزة.

وفي وقت لاحق، أفادت مصادر طبية ومحلية باستشهاد مواطن وزوجته وثلاثة من أطفالهما، إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في حي النصر شمال غربي مدينة غزة.والشهداء هم:

- ادهم ابراهيم شعبان نسمان 42 عام 
- مروة نايف محمد نسمان 40 عام 
- أروى ادهم ابراهيم نسمان 8 سنوات 
- يحيى ادهم ابراهيم نسمان 18 عام 
- ابراهيم ادهم ابراهيم نسمان 16 عام

وأصدر الجيش الإسرائيلي، ظهر السبت، أوامر لسكان مخيمات للنازحين في حي الزيتون بإخلائها، تمهيداً لعملية عسكرية لم تتضح طبيعتها، وسط مخاوف فلسطينية من توسيع السيطرة الإسرائيلية في جنوب شرقي مدينة غزة.

تحريك «الخط الأصفر»

وفي وسط القطاع، توغلت آليات عسكرية إسرائيلية، خلال الساعات الفاصلة بين ليل الجمعة وفجر السبت، في المناطق الشرقية لأبو العجين ووادي السلقا وأبراج القسطل، شرقي مدينة دير البلح، وسط قصف مدفعي وإطلاق نار.

ووفق المصادر التي نقلت عنها «الشرق الأوسط»، حركت القوات الإسرائيلية المكعبات الإسمنتية الصفراء المستخدمة لتحديد ما يعرف بـ«الخط الأصفر» مسافة وصلت إلى نحو 200 متر باتجاه الغرب في بعض المواقع.

ويمثل «الخط الأصفر» أول خطوط الانسحاب التي حددت في إطار اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلا أن مصادر فلسطينية تتهم الجيش الإسرائيلي بتحريكه بصورة متكررة لتوسيع المناطق الواقعة تحت سيطرته.

وكان سكان مناطق شرقي دير البلح قد نزحوا منها بعدما استخدمت طائرات مسيّرة صغيرة من طراز «كواد كابتر» مكبرات صوت لمطالبتهم بالإخلاء والتوجه نحو عمق المدينة.

وقالت المصادر إن فلسطينياً أصيب، صباح السبت، بعدما حاول الاقتراب من منزله في إحدى تلك المناطق، بينما نفذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف في مناطق شرقي خان يونس وشمالها.

بوابات وخنادق في مواصي رفح

بالتوازي مع التصعيد، أفادت «الشرق الأوسط» بأن القوات الإسرائيلية اتخذت إجراءات ميدانية في مناطق مواصي جنوب خان يونس وشمال رفح، قالت الصحيفة إنها قد تمهد لتنفيذ خطة لنقل فلسطينيين إلى منطقة في رفح تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

ونقلت الصحيفة عن مصدر ميداني قوله إن الجيش الإسرائيلي أقام بوابة حديدية على طريق الرشيد الساحلي في منطقة «هاي كلاس» بمواصي رفح، لتكون الثانية من نوعها بعد بوابة أخرى أقيمت في منطقة الشاكوش.

وبحسب المصدر، تؤدي البوابتان إلى مناطق غربي رفح، ولا سيما حي تل السلطان، كما حفرت القوات الإسرائيلية خندقاً في مواصي رفح، قال المصدر إنه قد يستخدم للفصل بين السكان والمواقع العسكرية.

ورجح المصدر إمكان استخدام البوابات مستقبلاً لتفتيش الفلسطينيين والتحقق من هوياتهم في حال بدأ نقل السكان إلى المنطقة، إلا أن هذا الاحتمال لم تؤكده السلطات الإسرائيلية رسمياً.

مشروع تجريبي في تل السلطان

ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية وأجنبية أوردتها «الشرق الأوسط»، يُطرح حي تل السلطان باعتباره الموقع الأول لإقامة مشروع تجريبي يسمى «المنطقة الإنسانية»، ضمن خطة لنقل سكان لا تربطهم، وفق التصنيف الإسرائيلي، علاقة بحركة «حماس».

ونقلت الصحيفة عن تقرير سابق لـ«هيئة البث الإسرائيلية» أن إسرائيل بدأت، بطلب أميركي، إزالة الركام من أجزاء من رفح، وخصوصاً حي تل السلطان، تمهيداً لإقامة منطقة تجريبية يمكن نقل فلسطينيين إليها.

وبحسب التقرير الإسرائيلي، قد تنتشر في المنطقة عناصر من قوة دولية لتحقيق الاستقرار، من دون أسلحة نارية، لتولي مهمات تتعلق بضبط الأمن.

غير أن طبيعة المشروع ومصير السكان الذين قد ينقلون إليه لا تزال غير واضحة، في ظل منع الفلسطينيين من الوصول إلى معظم مناطق رفح وصعوبة التحقق بصورة مستقلة من حجم الأعمال الجارية فيها.

إزالة الركام وخطة إعادة الإعمار

وقالت ثلاثة مصادر ميدانية فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن عمليات إزالة للركام بدأت فعلياً في أجزاء من رفح وخان يونس، وإن بعض معالم الدمار التي كانت ظاهرة في المنطقتين بدأت تختفي.

وأشارت المصادر إلى أن جزءاً من الركام ينقل باتجاه الجانب الإسرائيلي، لكنها لم تقدم أدلة مستقلة تحدد وجهته النهائية.

ونقلت الصحيفة عن دورين كارادي، مديرة شركة متخصصة في إزالة الأنقاض، قولها إن حجم الركام في قطاع غزة يقدر بنحو 40 مليون طن، وإن إزالته قد تتطلب عشرة أعوام وتكلفة تبلغ نحو 2.5 مليار دولار.

كما أوردت «الشرق الأوسط»، نقلاً عن صحيفة «الغارديان»، أن التصورات المتعلقة بإعادة إعمار قطاع غزة تراجعت من مشروع شامل إلى برنامج تجريبي محدود في جنوب القطاع، يتضمن إقامة مخيم مؤقت قرب رفح يستوعب عشرات الآلاف من السكان.

ووفق التقرير، يُفترض أن تتولى إدارة فلسطينية مرتبطة بلجنة إدارة غزة الإشراف على المخيم، بينما توفر قوة أمنية دولية محدودة الحماية، إلا أن الأعمال الميدانية الرئيسية لم تبدأ، ولا يتوقع أن يصبح المشروع جاهزاً قبل نهاية عام 2026.

مخاوف من تكريس واقع دائم

ويثير التزامن بين تحريك «الخط الأصفر»، وإقامة البوابات والخنادق، وإزالة الركام في رفح، مخاوف فلسطينية من أن تتحول الخطوات الإسرائيلية المؤقتة إلى واقع جغرافي وأمني دائم داخل قطاع غزة.

وفي الوقت الذي تقدم فيه إسرائيل هذه الإجراءات ضمن اعتبارات أمنية وخطط لإقامة مناطق توصف بالإنسانية، يرى فلسطينيون أن نقل السكان إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية قد يؤدي إلى تكريس فصل دائم بين التجمعات السكانية، ومنع النازحين من العودة إلى مدنهم ومنازلهم.

وتتواصل هذه التحركات في ظل تعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار الخلافات بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وترتيبات إدارة القطاع وإعادة إعماره.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة