كشفت صحيفة “معاريف” العبرية عن حالة توتر داخل سلاح البحرية الإسرائيلي، بعد حادثة شهدها ميناء أشدود أثناء نقل معتقلين من نشطاء أسطول احتجاجي متجه إلى غزة، عندما حاول ضباط كبار منع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير من الصعود إلى سفينة عسكرية كان المعتقلون تحت مسؤولية الجيش داخلها.
ووفق التقرير، بدأت الحادثة عندما طلبت ضابطة في البحرية برتبة مقدم من بن غفير انتظار الموافقة الرسمية قبل دخوله إلى السفينة، إلا أن الوزير دفعها وواصل طريقه. وبعد ذلك، تدخل ضابط آخر برتبة عقيد لمحاولة منعه، لكن بن غفير صعد في النهاية إلى السفينة، والتقط مقطعًا مصورًا مع المعتقلين، أثار غضبًا دوليًا.
تهديد لضابط: “سأمنع ترقيتك”
وبحسب ما أوردته “معاريف”، فإن أحد الضباط تعرض لتهديد مباشر من بن غفير، بعدما قال له الوزير: “سأمنع ترقيتك في الجيش”، في واقعة أثارت غضبًا داخل الأوساط العسكرية، خاصة أن الضباط كانوا يتعاملون مع المعتقلين ضمن مسؤولية ميدانية للجيش وليس ضمن صلاحيات وزارة الأمن القومي.
وأفاد التقرير بأن قيادة الجيش، بما في ذلك قائد سلاح البحرية ورئيس الأركان، لم تصدر موقفًا علنيًا داعمًا للضباط الذين حاولوا منع الوزير من الصعود، ما زاد من حدة النقاش داخل المؤسسة العسكرية بشأن حدود تدخل المستوى السياسي في عمل الجيش.
الجيش يقر بصعود بن غفير إلى السفينة
وفي تطور لاحق، أقر الجيش الإسرائيلي بأن بن غفير صعد فعلًا إلى السفينة بينما كان المعتقلون تحت مسؤولية الجيش، في رواية ناقضت معلومات سابقة تحدثت عن أن وجود الوزير اقتصر على منطقة الميناء أو على منشأة الاحتجاز.
ويمنح هذا الإقرار الحادثة بعدًا مؤسسيًا أوسع، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط بمقطع مصور نشره الوزير، بل بسؤال الصلاحيات: هل يحق لوزير الأمن القومي دخول مساحة عمليات عسكرية والتعامل مباشرة مع معتقلين يخضعون في تلك اللحظة لمسؤولية الجيش؟
فيديو أثار عاصفة سياسية ودبلوماسية
الحادثة جاءت بعد نشر بن غفير مقاطع من ميناء أشدود ظهر فيها أمام نشطاء أسطول الصمود وهم مقيدون، في مشهد أثار انتقادات داخل إسرائيل وخارجها. وذكرت هيئة البث الإسرائيلية “كان” أن الوزير نشر مقاطع من منشأة احتجاز في الميناء، ظهر فيها وهو يلوّح بالعلم الإسرائيلي أمام معتقلين جاثين ووجوههم باتجاه الأرض.
كما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن مقاطع بن غفير أثارت غضبًا دوليًا، فيما تحدث نشطاء من الأسطول عن تعرضهم لسوء معاملة بعد اعتراضهم ونقلهم إلى ميناء أشدود، بينما نفت إسرائيل هذه الاتهامات ووصفتها بأنها بلا أساس.
سجال داخل الحكومة الإسرائيلية
أثار سلوك بن غفير انتقادات إسرائيلية أيضًا. فقد نقلت “يديعوت أحرونوت” أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اتهم بن غفير بإلحاق ضرر بإسرائيل عبر “عرض مخزٍ”، بينما رد بن غفير بأن إسرائيل لم تعد “طفلًا يُضرب” وأن من يأتي لدعم ما وصفه بالإرهاب “سيتلقى الرد”.
كما نقلت الصحيفة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وجّه انتقادًا غير معتاد لسلوك بن غفير، معتبرًا أن الطريقة التي تعامل بها الوزير مع نشطاء الأسطول لا تنسجم مع “قيم ومعايير دولة إسرائيل”، رغم تأكيده حق إسرائيل في منع وصول الأساطيل إلى غزة.
أزمة تتجاوز بن غفير
تكشف الحادثة عن توتر متصاعد بين الجناح السياسي الأكثر تطرفًا في الحكومة الإسرائيلية وبين المؤسسة العسكرية، لا سيما في الملفات ذات الحساسية الدولية. فبن غفير، الذي يشرف على الشرطة ومصلحة السجون وحرس الحدود، وجد نفسه هذه المرة في مواجهة مباشرة مع ضباط من البحرية، داخل نطاق عمليات عسكرية لا يتبع وزارته إداريًا. وتشير أسوشيتد برس إلى أن بن غفير، بصفته وزيرًا للأمن القومي، يشرف على الشرطة ومصلحة السجون ووحدات حرس الحدود العاملة في الضفة الغربية المحتلة.
وبذلك، تحولت واقعة الصعود إلى السفينة من خلاف ميداني محدود إلى اختبار جديد للعلاقة بين الحكومة والجيش في إسرائيل، في لحظة تتصاعد فيها الانتقادات الدولية لطريقة التعامل مع نشطاء أسطول غزة، وتتزايد فيها الأسئلة داخليًا حول حدود استعراض القوة السياسية أمام الكاميرات، حين يكون الثمن إحراجًا للمؤسسة العسكرية والدبلوماسية الإسرائيلية.
