أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة جودة البيئة بياناً صحفياً بمناسبة يوم البيئة العالمي، الذي يصادف الخامس من حزيران/يونيو من كل عام، تحت شعار: "نداء عالمي للعمل المناخي"، محذرين من تفاقم الأخطار البيئية والمناخية في فلسطين، في ظل واقع استثنائي يجمع بين آثار الاحترار العالمي، واستمرار الاحتلال، والعدوان على قطاع غزة، وتصاعد اعتداءات المستعمرين في الضفة الغربية.
وأكد البيان أن يوم البيئة العالمي، الذي يحتفي به العالم منذ عام 1972، يمثل مناسبة دولية لتسليط الضوء على القضايا البيئية الملحّة، وتعزيز الجهود الرامية إلى حماية الموارد الطبيعية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. غير أن الحالة الفلسطينية، وفق البيان، تجعل من العمل المناخي قضية تتجاوز البعد البيئي، لتصبح قضية صمود وحق في الحياة والموارد والتنمية.
فلسطين وانبعاثات محدودة أمام تداعيات مناخية كبيرة
وأشار البيان إلى أن فلسطين تواصل التزامها باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس، من خلال التحضير للتقرير الثالث للمساهمات المحددة وطنياً، باعتباره أداة أساسية لتوجيه العمل المناخي، وتعزيز التكيف، ودعم السياسات الوطنية، وجذب الاستثمارات الخضراء.
ورغم أن مساهمة فلسطين في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة لا تتجاوز 0.01% من إجمالي الانبعاثات العالمية، فإنها تُعد من المناطق الأكثر هشاشة وتأثراً بتداعيات التغير المناخي، الأمر الذي يعكس حالة واضحة من اللاعدالة المناخية، حيث تتحمل فلسطين نتائج أزمة عالمية لم تكن طرفاً رئيسياً في صنعها.
غزة تحت كلفة كربونية وبيئية كارثية
وحذّر البيان من الكلفة المناخية والبيئية الهائلة الناتجة عن العدوان المستمر على قطاع غزة، مشيراً إلى أن دراسات علمية دولية حديثة للعام 2026، نُشرت في مجلة One Earth بالتعاون مع مرصد الصراعات والبيئة، قدّرت البصمة الكربونية الإجمالية المرتبطة بالحرب على غزة بأكثر من 33.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
وأوضح البيان أن هذا الرقم يعادل الانبعاثات السنوية لبعض الدول، أو ما ينتجه نحو 7.6 مليون سيارة تعمل بالبنزين خلال عام كامل، إضافة إلى ما تستطيع غابات بمساحة 133 ألف كيلومتر مربع امتصاصه من ثاني أكسيد الكربون خلال عام واحد.
وتتوزع هذه الكلفة بين الانبعاثات المباشرة الناجمة عن العمليات العسكرية، والمقدرة بنحو 1.9 مليون طن، وبين الكلفة الكربونية السابقة واللاحقة للعدوان، المرتبطة بإزالة الركام وإعادة إعمار المنشآت والمنازل المدمرة.
أزمة مياه خانقة وارتفاع أسعار الصهاريج
وفي قطاع المياه، أشار البيان إلى أن تدمير شبكات المياه في غزة أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المياه الصالحة للشرب، خاصة المياه التي يتم توزيعها بواسطة الصهاريج، إذ ارتفع سعر كوب المياه إلى نحو 211 شيكلاً عام 2025 مقارنة بنحو 30 شيكلاً عام 2023، أي بزيادة تتجاوز 600%.
ويعكس هذا الارتفاع، بحسب البيان، تفاقم الأزمة المائية والعبء الاقتصادي على المواطنين، في ظل تدهور البنية التحتية وصعوبة الحصول على مصادر مياه آمنة.
انهيار منظومة الصرف الصحي وتفاقم النفايات والركام
وأكد البيان أن قطاع غزة يشهد انهياراً شبه كامل في منظومة الصرف الصحي، نتيجة تضرر أكثر من 90% من البنية التحتية، وتدمير جميع محطات المعالجة، إضافة إلى تدمير نحو 1,545 كيلومتراً من الشبكات و47 محطة ضخ.
ومع استمرار انقطاع الكهرباء والوقود، توقفت الخدمات الأساسية، ما أدى إلى تدفق المياه العادمة في الشوارع، وارتفاع المخاطر البيئية والصحية، وانتشار الأمراض.
كما حذر البيان من تفاقم أزمة النفايات والركام، حيث تراكم نحو 710 آلاف طن من النفايات المنزلية، وأكثر من 60 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير أكثر من 330 ألف وحدة سكنية، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة جمع النفايات وتدمير 90% من معدات البلديات.
تدمير واسع للأراضي الزراعية وتهديد الأمن الغذائي
وفي القطاع الزراعي، أظهر تقرير حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن العدوان الإسرائيلي تسبب حتى نهاية حزيران/يونيو 2025 في تدمير نحو 86% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، نتيجة القصف والتجريف وحركة الآليات العسكرية.
وسجلت محافظة شمال غزة أعلى نسبة تدمير بلغت 94%، تلتها محافظة غزة بنسبة 91%، ثم دير البلح بنسبة 84%، وخانيونس بنسبة 81%، ورفح بنسبة 79%. واعتبر البيان أن هذا الدمار يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي لأكثر من مليوني مواطن في القطاع.
انتهاكات بيئية متصاعدة في الضفة الغربية
وفي الضفة الغربية، أشار البيان إلى تصاعد الانتهاكات البيئية الإسرائيلية خلال عام 2025، حيث سُجل 685 انتهاكاً مقارنة بـ 535 انتهاكاً عام 2024، فيما بلغ عدد الانتهاكات حتى نهاية نيسان/أبريل 2026 نحو 310 انتهاكات.
وتنوعت هذه الانتهاكات بين تجريف الأراضي الزراعية، وإتلاف الأشجار، وتصريف المياه العادمة، وإلقاء النفايات، وإلحاق الأضرار بالبنية التحتية، ما أدى إلى تدهور متزايد في النظم البيئية وتهديد استدامة الموارد الطبيعية.
مؤشرات صمود رغم الكارثة البيئية
ورغم الصورة البيئية القاتمة، أشار البيان إلى وجود مؤشرات صمود وجهود وطنية لتعزيز العمل المناخي، من بينها توقيع سلطة جودة البيئة عقوداً لدعم مبادرات بيئية وزراعية لتسع مؤسسات، بهدف تعزيز الصمود والتنمية المستدامة، وحماية التنوع الحيوي، والتكيف مع التغير المناخي.
كما ارتفع عدد الأندية البيئية في مدارس الضفة الغربية إلى 851 نادياً في العام الدراسي 2025/2026، مقارنة بـ 591 نادياً سابقاً، بزيادة بلغت 260 نادياً، أي بنسبة 44%، بما يعكس تنامي الوعي البيئي لدى الطلبة.
وفي مجال الطاقة النظيفة، ارتفعت القدرة الكهربائية للخلايا الشمسية في فلسطين إلى 400 ميغاواط نهاية عام 2025، مقارنة بـ 300 ميغاواط عام 2023، لتسهم بنسبة 8% من إجمالي الكهرباء، في إطار تعزيز أمن الطاقة والاعتماد على مصادر نظيفة.
كما جرى تمويل مشروع مشترك بين قطاعي المياه والطاقة بقيمة 620 ألف دولار أمريكي، لإعداد دراسات جدوى ورسم خارطة طريق للاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية لمرافق المياه ذات الأولوية.
دعوة لتعزيز العدالة المناخية
وشدد البيان على أن العمل المناخي في فلسطين ليس قضية بيئية فحسب، بل هو قضية صمود وتحدٍ وحق في الحياة والموارد والتنمية المستدامة. وأكد أن حماية البيئة الفلسطينية تتطلب تحركاً وطنياً ودولياً عاجلاً، لا سيما في ظل التداخل العميق بين التغير المناخي، والاحتلال، والعدوان، وتدمير البنية التحتية، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية.
واختتم البيان بالتأكيد على أن فلسطين ماضية في تعزيز منظومتها البيئية والمناخية، من خلال تطوير التشريعات، ودمج البعد البيئي والمناخي في القطاعات المختلفة، والانضمام إلى آليات تمويل دولية، من بينها صندوق التكيف وصندوق المناخ الأخضر، بما يعزز قدرة فلسطين على مواجهة التحديات البيئية والمناخية المتصاعدة.
إنفوجرافيك - يوم البيئة العالمي 2026.pdf
