شهدت محافظة القدس، يوم الجمعة 5 حزيران/يونيو 2026، يوماً ميدانياً وسياسياً حافلاً بالتوتر، تزامناً مع الذكرى التاسعة والخمسين لاحتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس والمسجد الأقصى المبارك عام 1967، وسط إجراءات عسكرية مشددة فرضتها قوات الاحتلال في البلدة القديمة ومحيط المسجد، واعتداءات امتدت إلى بلدات وتجمعات مقدسية عدة.
ففي المسجد الأقصى المبارك، أدى نحو 65 ألف مصلٍّ صلاة الجمعة، رغم القيود الإسرائيلية المكثفة على مداخل البلدة القديمة وأبواب المسجد. وتوافد المصلون منذ ساعات الصباح إلى الأقصى، قبل أن يؤدوا، عقب الصلاة، صلاة الغائب على أرواح شهداء فلسطين.
وتزامناً مع خطبة وصلاة الجمعة، اقتحمت قوات الاحتلال محيط المصلى القبلي وقبة الصخرة المشرفة، في مشهد يعكس استمرار التدخل العسكري في محيط المقدسات الإسلامية، خصوصاً في أيام الجمع والمناسبات الوطنية والدينية الحساسة.
وشددت قوات الاحتلال إجراءاتها في محيط أبواب المسجد الأقصى، حيث نصبت سواتر حديدية، وأجرت عمليات تفتيش عشوائية لحقائب الشبان والفتيات، وأعاقت وصول المصلين عند باب الأسباط ومداخل أخرى. كما أوقفت عدداً من الشبان في منطقة باب العامود ودققت في هوياتهم، بالتزامن مع انتشار عسكري قرب سوق الجمعة والشوارع المؤدية إلى المسجد.
وفي مشهد آخر من القيود المفروضة على حرية العبادة، أدى عدد من المبعدين عن المسجد الأقصى صلاة الجمعة خارج أسوار البلدة القديمة، بعدما منعتهم قوات الاحتلال من الصلاة في ساحة الغزالي عند باب الأسباط. كما حررت شرطة الاحتلال مخالفات لمركبات ودراجات نارية في محيط البلدة القديمة والشوارع القريبة من المسجد.
وخارج محيط الأقصى، اتسعت الاعتداءات إلى مناطق شرقي القدس، حيث أقدم مستعمرون على تخريب خط المياه الرئيسي المغذي لتجمع المهتوش في منطقة الخان الأحمر، عبر إحداث ثقوب وأضرار في الخط، في خطوة تندرج ضمن الضغوط المتواصلة على التجمعات البدوية الفلسطينية شرق القدس.
وفي السياق ذاته، شرعت آليات تابعة للاحتلال بأعمال تجريف وتسوية أراضٍ قرب تجمع بير المسكوب شرقي القدس المحتلة، في مؤشر جديد على تصعيد الإجراءات الميدانية المرتبطة بالأرض والبنية التحتية الفلسطينية في محيط المدينة.
كما اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيرنبالا شمال غرب القدس، وأطلقت قنابل الغاز بكثافة خلال الاقتحام. وفي مخيم قلنديا شمال المدينة، اقتحمت القوات المخيم وسط إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز، وداهمت مركزاً طبياً خلال العملية، ما زاد حالة التوتر بين الأهالي.
وفي بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، أجبرت سلطات الاحتلال المواطن المقدسي أشرف برقان على هدم منزله ذاتياً في حي بئر أيوب. وتبلغ مساحة المنزل نحو 60 متراً مربعاً، وكان يقطنه برفقة زوجته وطفله. وتأتي هذه السياسة في إطار ما يصفه المقدسيون بـ«الهدم القسري»، حيث يُجبر المواطن على هدم منزله بنفسه تفادياً لغرامات وتكاليف باهظة تفرضها بلدية الاحتلال عند تنفيذ الهدم بآلياتها.
وفي ملف الأسرى، أفرجت قوات الاحتلال عن الأسير المقدسي صهيب صيام من حي الشيخ جراح، بعد قضائه 14 شهراً في الأسر، حيث أُفرج عنه من سجن النقب الصحراوي.
وكانت محافظة القدس قد شهدت مساء الخميس اقتحامات إضافية، أبرزها اقتحام قوات الاحتلال بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، وبلدة بيت حنينا شمال القدس المحتلة، في استمرار لحالة الاستنفار العسكري التي رافقت المدينة خلال الساعات الماضية.
وتأتي هذه التطورات ضمن سياق تصعيد أوسع في القدس خلال الأسابيع الأخيرة. فقد وثقت محافظة القدس، خلال شهر أيار/مايو الماضي اعتقال 101 مواطن، بينهم نساء وأطفال، إلى جانب عشرات قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى ومخططات استيطانية جديدة.
وبذلك، عكست أحداث الجمعة صورة مركبة للمشهد المقدسي: حضور شعبي واسع في المسجد الأقصى رغم القيود، مقابل تشديد عسكري على أبوابه، وتصعيد في الهدم والتجريف واستهداف البنية التحتية في التجمعات الفلسطينية، بما يجعل القدس في قلب المواجهة اليومية على الأرض والهوية والسيادة.
