المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: إطلاق النار على مركبة عائلة أبو هيكل جريمة قتل خارج نطاق القانون... ومطالبات بتحقيق دولي ومحاسبة الجناة
أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات مقتل الرضيع سام فهد أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر، وإصابة والديه بجروح متفاوتة، إثر إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار مباشرة على مركبة مدنية كانت تقل أفراد العائلة في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، مساء الجمعة 5 يونيو/حزيران 2026.
واعتبر المركز أن الحادثة تمثل جريمة جديدة ناجمة عن الاستخدام غير المشروع للقوة المميتة ضد مدنيين لم يشكلوا أي خطر أو تهديد وشيك على حياة الجنود، مؤكداً أن وقائع إطلاق النار وطبيعة الإصابات وسلوك الجنود بعد الحادثة تعزز الاستنتاج بأن القوة القاتلة استُخدمت بصورة مباشرة وغير مبررة.
ووفق المعلومات التي جمعها باحثو المركز، وقعت الحادثة عند حوالي الساعة السابعة مساءً، عندما وصلت مركبة مدنية من نوع «هيونداي»، يقودها المواطن فهد عبد العزيز أبو هيكل، إلى منطقة مفرق حارة أبو رزق في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل. وكانت المركبة تقل والدته فريال أبو هيكل، وزوجته دانيه نضال سلامة، وطفليهما سام وكنان، أثناء عودتهم إلى منزل العائلة في حي تل الرميدة بعد زيارة عائلية في مدينة بيت لحم.
وبحسب التحقيقات الميدانية، فوجئت العائلة بوجود أربعة جنود إسرائيليين على الرصيف المقابل للطريق، على مسافة تقارب عشرة أمتار من المركبة. وشاهد ركاب السيارة أحد الجنود وهو يوجه سلاحه نحوهم مستخدماً شعاع الليزر. وعلى الفور، أبطأ السائق سرعة المركبة، ثم أوقفها بالكامل، وأطفأ محركها، ورفع يديه بشكل واضح لإظهار أنه لا يشكل أي خطر.

غير أن ذلك لم يمنع إطلاق النار. فخلال أقل من دقيقة، ودون توجيه إنذار مسبق أو إصدار أوامر للركاب، أطلق أحد الجنود عدة أعيرة نارية باتجاه المركبة. واخترق أحد الأعيرة الزجاج الأمامي، فأصاب السائق فهد أبو هيكل في كف يده اليمنى، قبل أن يصيب الرضيع سام، الذي كان في حضن والدته استعداداً للنزول من المركبة. وأصاب العيار الطفل أسفل عينه اليسرى ونفذ من الجهة اليمنى من وجهه، فيما أصيبت والدته دانيه بشظايا في الفك الأيمن والصدر من الجهة اليمنى العلوية.
وعقب إطلاق النار، انسحب الجنود من المكان باتجاه الطريق المؤدية إلى حي تل الرميدة، من دون تقديم أي إسعاف للمصابين أو استدعاء طواقم الإسعاف. وتجمع مواطنون في المكان ونقلوا أفراد العائلة إلى المستشفى الأهلي في مدينة الخليل، فيما نُقلت الجدة فريال أبو هيكل بواسطة سيارة إسعاف فلسطينية إلى مستشفى عالية الحكومي.
وعند حوالي الساعة العاشرة مساءً من اليوم ذاته، أعلنت الطواقم الطبية في مستشفى عالية الحكومي وفاة الطفل سام فهد أبو هيكل متأثراً بإصابته البالغة. وتلقى والده العلاج من إصابته، بينما لا تزال والدته تخضع للعلاج في قسم العناية المكثفة في المستشفى الأهلي بمدينة الخليل، نتيجة إصابتها بشظايا استقرت إحداها بالقرب من القلب.
وفي إفادتها لباحث المركز، قالت الجدة فريال أبو هيكل إن العائلة كانت على بعد نحو 200 متر من منزلها في تل الرميدة عندما شاهدت أربعة جنود يقفون على مقربة من المركبة، وكان أحدهم يوجه سلاحه نحو السيارة. وأضافت أن ابنها فهد أوقف المركبة بالكامل وأطفأ المحرك ورفع يديه، لكن الجندي أطلق، خلال أقل من نصف دقيقة، عيارين أو ثلاثة باتجاههم.
وقالت الجدة إن أحد الأعيرة اخترق الزجاج الأمامي وأصاب يد ابنها اليمنى، ثم أصاب الطفل سام أسفل عينه اليسرى وخرج من الجهة اليمنى من وجهه، كما أصابت شظايا العيار والدته دانيه في وجهها وصدرها. وأضافت أنها سمعت الأم تصرخ: «قتلوا ابني... راح سام»، قبل أن تلاحظ أن الجنود غادروا المكان مباشرة بعد إطلاق النار.
وتعزز طبيعة الإصابات، وفق المركز، الاستنتاج بأن الأعيرة النارية أُطلقت مباشرة نحو المركبة وركابها، رغم وضوح هويتهم المدنية ووجود أطفال ونساء داخل السيارة. كما أن انسحاب الجنود من الموقع من دون تقديم أي مساعدة أو طلب إسعاف للمصابين يشير، بحسب المركز، إلى عدم اكتراث بحياة الركاب وسلامتهم، رغم إدراكهم الواضح لوقوع إصابات مباشرة نتيجة قرب مسافة إطلاق النار.
ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن هذه المعطيات تدلل على ارتكاب قوات الاحتلال جريمة قتل خارج نطاق القانون، وعلى استخدام غير مشروع للقوة المميتة، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، التي تقصر استخدام القوة المميتة على الحالات التي تكون فيها ضرورية بشكل مطلق لحماية الأرواح من خطر وشيك.
وتكتسب الحادثة خطورتها من كونها لم تقع في سياق اشتباك مسلح أو مواجهة مباشرة، بل استهدفت مركبة عائلية مدنية، بحسب رواية المركز، بعدما توقفت بشكل كامل وأظهر سائقها امتثاله وعدم تشكيله أي تهديد. وهو ما يجعل رواية «الخطر المفترض» غير كافية لتبرير إطلاق النار القاتل، خصوصاً في ظل وجود مسافة قصيرة، وإمكانية التحقق من هوية الركاب، وغياب أي إنذار مسبق.
ومنذ بداية العام، وثق المركز مقتل 61 مواطناً فلسطينياً في الضفة الغربية برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين، من بينهم 17 طفلاً وامرأتان، بينهم 16 قتيلاً سقطوا في هجمات نفذتها ميليشيات المستوطنين. ويرى المركز أن هذه الأرقام تعكس نمطاً متصاعداً من الاستخدام المفرط والمميت للقوة، في ظل غياب المحاسبة واستمرار سياسة الإفلات من العقاب.

وأكد المركز أن استهداف المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، في غياب أي تهديد فعلي أو خطر داهم، يشكل انتهاكاً جسيماً للحق في الحياة المكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويرقى إلى مستوى الجرائم التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.
وطالب المركز المجتمع الدولي، والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالتحرك العاجل لضمان حماية المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب التي تشجع قوات الاحتلال على مواصلة الانتهاكات الجسيمة بحق الفلسطينيين.
كما دعا إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف في مقتل الرضيع سام أبو هيكل وإصابة والديه، ومساءلة المسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذ إطلاق النار، وضمان حق العائلة في العدالة والإنصاف وجبر الضرر.
وتحوّل مقتل سام أبو هيكل إلى قضية حقوقية جديدة تسلط الضوء على نمط متكرر من إطلاق النار على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعلى محدودية التحقيقات الداخلية الإسرائيلية في توفير المساءلة الفعلية للضحايا. وبينما تقول سلطات الاحتلال إن الحادثة قيد الفحص، تؤكد عائلة الطفل والمنظمات الحقوقية أن الوقائع الميدانية لا تترك مجالاً لتبرير استخدام القوة القاتلة ضد عائلة مدنية توقفت مركبتها ولم تشكل أي خطر.
