دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2026، إسرائيل إلى وقف خطتها لتوسيع نطاق سيطرتها داخل قطاع غزة إلى نحو 70% من مساحة القطاع، محذراً من أن هذا المسار يهدد بتقويض اتفاق وقف إطلاق النار ويعمّق الكارثة الإنسانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية.
وجاء موقف السيسي خلال مشاركته في أعمال قمة مجموعة السبع المنعقدة في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث ركز في كلمته على ضرورة وقف التصعيد الإسرائيلي في غزة، ومنع أي خطوات من شأنها تكريس واقع ميداني جديد يتعارض مع مسار التسوية السياسية وحل الدولتين.
وقال السيسي إن الانشغال الإقليمي والدولي بالأزمة مع إيران تزامن مع توسيع نطاق ما يعرف بـ“الخط الأصفر” في قطاع غزة ليشمل نحو 70% من مساحة القطاع، بما يعني عملياً ترك 30% فقط من الأرض للشعب الفلسطيني. وشدد على أن هذا النهج “يجب أن يتوقف فوراً”، محذراً في الوقت نفسه من السماح بضم الضفة الغربية.
ويمثل “الخط الأصفر” الحد الفاصل بين المناطق التي يفترض أن تنسحب إليها القوات الإسرائيلية بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، وبين المناطق التي لا تزال خاضعة للوجود العسكري الإسرائيلي. غير أن التقديرات الميدانية تشير إلى أن إسرائيل وسّعت نطاق هذا الخط تدريجياً، من سيطرة تقارب نصف مساحة القطاع، إلى أكثر من 60%، وصولاً إلى خطة معلنة للتمدد إلى نحو 70%.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد وجّه، الشهر الماضي، الجيش الإسرائيلي إلى توسيع مناطق السيطرة داخل غزة، في خطوة أثارت اعتراضات فلسطينية وإقليمية، واعتُبرت محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة وقف الحرب.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 بوساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان يفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى خلف “الخط الأصفر”، تمهيداً للانتقال إلى ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تشمل وقفاً أكثر ثباتاً للعمليات، وإعادة ترتيب الوضع الأمني والإداري في القطاع.
لكن الاتفاق لم ينجح حتى الآن في وقف الغارات الإسرائيلية بصورة كاملة، كما لم يؤد إلى حسم الملفات العالقة، وفي مقدمتها مسألة نزع سلاح حركة حماس، وآلية الانسحاب الإسرائيلي، وشكل الإدارة المقبلة في غزة.
وفي هذا السياق، شدد السيسي على أنه “لا بديل عن التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين”، داعياً إلى تنفيذ خطة ترامب للسلام في قطاع غزة، وعدم السماح بانهيار ما تحقق من ترتيبات لوقف الحرب.

وتؤدي مصر، التي تشترك في حدود مباشرة مع غزة، دوراً محورياً في الوساطة بين إسرائيل وحماس منذ هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة في القطاع. وتشارك القاهرة، إلى جانب قطر وتركيا، في محادثات تهدف إلى دفع المرحلة الثانية من الخطة الأميركية، وسط خلافات واسعة بين إسرائيل وحماس بشأن شروط التنفيذ.
وفي تطور متصل، ذكرت مصادر مطلعة أن مبعوث مجلس السلام لغزة، نيكولاي ملادينوف، وصل إلى القاهرة لمتابعة المحادثات التي يجريها الوسطاء مع قيادة حماس بشأن المرحلة التالية من خطة ترامب. وتتركز الخلافات على مسألتين أساسيتين: مطالبة إسرائيل بنزع سلاح حماس، ومطالبة الحركة بانسحاب إسرائيلي واضح ومحدد من القطاع قبل الانتقال إلى أي ترتيبات نهائية.
ميدانياً، تواصلت الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار. فقد أفادت مصادر طبية ومحلية في غزة باستشهاد الشقيقين أحمد ومحمود وليد أبو هين، جراء قصف من مسيّرة إسرائيلية استهدف محيط برج النوري شمالي مخيم النصيرات وسط القطاع. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش الإسرائيلي على الحادث.
كما تحدثت مصادر محلية عن إطلاق نار كثيف من آليات إسرائيلية شرقي مدينة خان يونس، بالتزامن مع قصف مدفعي وتحليق منخفض للطائرات المسيّرة والمروحية في مناطق متفرقة من جنوب ووسط القطاع. وشهدت مناطق قرب شارع صلاح الدين ودوار بني سهيلا إطلاق قنابل دخانية ونيراناً كثيفة، فيما استهدفت آليات إسرائيلية محيط جسر وادي غزة شمال مخيم البريج.
وفي مدينة غزة، أدى توغل دبابات إسرائيلية في حي التفاح إلى نزوح عائلات جديدة من منازلها، بعدما اقتربت العلامات الحدودية الموضوعة ضمن “المنطقة الصفراء” من مناطق سكنية. وقال شهود إن القوات الإسرائيلية نقلت كتلاً إسمنتية وعلامات صفراء في مناطق شرق خان يونس وشمال رفح، في مؤشر إلى توسيع نطاق السيطرة الميدانية.
ويعيش نحو مليوني فلسطيني، معظمهم نزحوا مرات عدة، في شريط ضيق على امتداد الساحل، وسط ظروف إنسانية شديدة القسوة، بين خيام مؤقتة ومبانٍ متضررة، ومع استمرار القيود على المساعدات والبضائع وحركة السفر.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا بنيران إسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي ارتفع إلى ما يقارب ألف شهيد، إضافة إلى آلاف المصابين، بينما تقول إسرائيل إن أربعة من جنودها قتلوا خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه التطورات إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار بات أمام اختبار سياسي وأمني بالغ التعقيد. فإسرائيل تسعى إلى توسيع مساحة سيطرتها تحت عنوان الأمن ومنع إعادة تموضع حماس، بينما ترى مصر والوسطاء أن هذا التوسع يهدد بتفريغ الاتفاق من مضمونه، ويدفع الفلسطينيين إلى مزيد من الحصار الجغرافي والإنساني.
ويحمل موقف السيسي في قمة السبع رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى إسرائيل بضرورة وقف فرض الوقائع على الأرض، والثانية إلى القوى الدولية بضرورة عدم ترك ملف غزة رهينة للأزمات الإقليمية الأخرى، سواء في إيران أو لبنان أو البحر الأحمر.
وبين ضغط الوسطاء واستمرار العمليات العسكرية، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت خطة ترامب ستنتقل إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ، أم ستتحول إلى غطاء هش لواقع جديد تتقلص فيه المساحة المتاحة للفلسطينيين داخل قطاع غزة، بينما تتسع “المنطقة الصفراء” على حساب أي أفق لتسوية دائمة.
