دخلت الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية مرحلة جديدة من التصعيد المتقطع، بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق نار جديد بين إسرائيل وحزب الله، إذ تداخلت العمليات الميدانية في جنوب لبنان مع غارات إسرائيلية واسعة، واتهامات متبادلة بخرق التفاهم، وسط ضغوط سياسية ودبلوماسية لمحاولة تثبيت الهدوء ومنع انهيار مسار التهدئة الإقليمية الأوسع.
وأعلن الجيش الإسرائيلي، مساء السبت 20 حزيران/يونيو 2026، السماح بنشر اسمي جنديين قُتلا في معارك جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة: الرقيب يواف كلاين، 21 عامًا، من هرتسليا، وهو مقاتل في الكتيبة 52 التابعة للواء المدرع 401، والرقيب أول نير بن آري، 21 عامًا، من كرم مهرال، وهو مقاتل في وحدة ماجلان التابعة لتشكيل الكوماندوز. وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن كلاين قُتل في حادث استهداف دبابة وقع ليل الخميس ـ الجمعة، وأسفر كذلك عن مقتل قائد الكتيبة 52 المقدم دور جدليا بن سمحون وجنود آخرين، بينما قُتل بن آري في هجوم لاحق بالصواريخ والطائرات المسيّرة المفخخة على قوة إسرائيلية في منطقة النبطية.
وتتركز الاشتباكات الأخيرة حول مرتفع علي الطاهر، وهو موقع استراتيجي يشرف على مدينة النبطية ومحيطها. وقال حزب الله إن قوة إسرائيلية حاولت التسلل باتجاه المرتفع تحت غطاء وقف إطلاق النار، مؤكدا أن مقاتليه نصبوا كمينا للقوة واشتبكوا معها “بالأسلحة المناسبة”، وأوقعوا في صفوفها قتلى وجرحى. في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته تعرضت خلال الليل لأكثر من 50 قذيفة وصاروخا أطلقها حزب الله باتجاه مواقع عسكرية في جنوب لبنان، واعتبر ذلك “انتهاكا متكررا” لوقف إطلاق النار.
وعلى وقع الاشتباكات، شنّ الجيش الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع، بينها النبطية، قناريت، عربصاليم، زبدين، كفرصير، باريش، سحمر والرشيدية. وقالت مصادر لبنانية إن الغارات طالت منازل ومناطق سكنية ومنشآت مدنية، بينها فرع مصرف لبنان في النبطية، الذي وصف المصرف المركزي استهدافه بأنه “مباشر ومتعمد”، مؤكدا أن الأضرار اقتصرت على الماديات لكون المبنى كان خاليا وقت الضربة.
ووفق وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت الحصيلة التراكمية للحرب الإسرائيلية على لبنان منذ 2 آذار/مارس إلى 4057 شهيدا و12121 جريحا، بينهم 135 من المسعفين والعاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى تضرر 17 مستشفى وإقفال 3 أخرى نتيجة الاعتداءات أو التهديدات. كما أعلنت الوزارة أن غارات الجمعة وحدها أوقعت 83 شهيدا و141 جريحا في جنوب لبنان وشرقه، في حين أفادت حصائل ميدانية لاحقة بسقوط شهداء وجرحى إضافيين في غارات السبت، بينهم أطفال وأفراد من عائلة واحدة وجنديان من الجيش اللبناني.
وفي منطقة النبطية، أعلن الدفاع المدني اللبناني نقل جثامين 16 شهيدا وإسعاف 12 جريحا، إضافة إلى إجلاء عشرات المدنيين من مناطق تعرضت للقصف. كما سُجلت غارات على بلدات في قضاء صيدا والنبطية وجزين، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف عددا من القرى والمرتفعات.
سياسيا، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس أوعزا للجيش بوقف إطلاق النار في لبنان، من دون الانسحاب من المناطق التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية وسيطرت عليها في الجنوب. كما أفادت تقارير عبرية بأن رئيس الأركان إيال زامير أصدر تعليمات مماثلة بعد تقييم أمني، مع إبقاء ما تسميه إسرائيل “حرية العمل” لإزالة تهديدات فورية داخل المنطقة الأمنية.
لكن هذا الإعلان لم ينهِ التوتر الميداني. فإسرائيل تقول إنها ملتزمة بوقف إطلاق النار وفق توجيهات المستوى السياسي، لكنها ستواصل الرد على أي تهديد لقواتها أو لسكانها، وتؤكد أن ضرباتها تستهدف منصات إطلاق ومستودعات أسلحة ومراكز قيادة تابعة لحزب الله. في المقابل، يقول حزب الله إن إسرائيل هي التي خرقت وقف النار منذ لحظاته الأولى، ويتهمها بتنفيذ مئات الاعتداءات على بلدات وقرى لبنانية، مؤكدا أنه ملتزم بالتهدئة لكنه لن يسمح لإسرائيل بتثبيت “حرية حركة” داخل الأراضي اللبنانية أو بتوسيع نطاق احتلالها.
وتتجاوز تداعيات التصعيد حدود الجبهة اللبنانية. فوقف إطلاق النار الأخير جاء في سياق تفاهم أوسع تسعى إليه الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة وسطاء إقليميين، بهدف خفض التصعيد على عدة جبهات في المنطقة. غير أن استمرار الغارات والاشتباكات في جنوب لبنان يضع هذا المسار أمام اختبار مبكر، خصوصا أن إسرائيل ليست طرفا مباشرا في التفاهم الأميركي ـ الإيراني، وتقول إن أي ترتيب يجب ألا يقيّد عملياتها ضد حزب الله.
ومع دخول وقف النار يومه الثاني، يسود جنوب لبنان هدوء حذر قابل للاهتزاز، في ظل بقاء القوات الإسرائيلية في مناطق داخل الجنوب، وتمسك حزب الله بحق التصدي لأي محاولة توغل، واستمرار التحذيرات من أن أي حادث ميداني جديد قد يعيد الجبهة إلى موجة أوسع من القصف والردود المتبادلة.
