أعلن "مجلس السلام"، مساء الثلاثاء 23 يونيو/حزيران 2026، وصول عناصر من القوات المسلحة الملكية المغربية للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية الخاصة بقطاع غزة، في تطور يُعد من أوائل المؤشرات العملية على بدء تحريك الترتيبات الأمنية المرتبطة بالمرحلة الثانية من الخطة الأميركية لإنهاء الحرب في القطاع.
وقال المجلس، في منشور عبر منصة "إكس"، إن قوة الاستقرار الدولية في غزة ترحب بأحدث أعضائها من القوات المسلحة الملكية المغربية، معتبراً أن وصولهم يعزز الجهود الدولية الرامية إلى دعم سكان القطاع.
وبحسب تقارير صحفية متطابقة، وصل أربعة ضباط مغاربة إلى إسرائيل للمشاركة في أعمال التحضير والتخطيط الخاصة بالقوة الدولية، دون أن يعني ذلك، في هذه المرحلة، بدء انتشار ميداني داخل قطاع غزة. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الضباط وصلوا إلى مركز التنسيق المدني العسكري في كريات غات جنوبي إسرائيل، وهو المقر الأميركي المعني بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ومراقبة ترتيباته.
ويُعد مركز التنسيق المدني العسكري قاعدة عمليات أميركية أُنشئت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بهدف الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ومتابعة البنود المرتبطة بالمساعدات، والانسحابات، والترتيبات الأمنية، وذلك بإشراف القيادة المركزية الأميركية.
وتأتي الخطوة المغربية في إطار قوة الاستقرار الدولية، وهي إحدى الركائز الأساسية في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، والتي اعتمدها مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وتنص الخطة على إنشاء ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، تشمل "مجلس السلام"، و"مجلس غزة التنفيذي"، و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، إضافة إلى قوة الاستقرار الدولية.
وكانت واشنطن قد أعلنت، في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، اعتماد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في غزة، ضمن مسار سياسي وأمني يفترض أن يتدرج من وقف إطلاق النار إلى الانسحاب الإسرائيلي المرحلي، ثم نشر قوة دولية، وبدء عملية إعادة الإعمار، وترتيب إدارة فلسطينية تكنوقراطية للقطاع.
ورغم الإعلان عن وصول الضباط المغاربة، لا تزال تفاصيل الانتشار الفعلي لقوة الاستقرار الدولية غير واضحة، سواء من حيث جدولها الزمني، أو حجمها النهائي، أو قواعد اشتباكها، أو طبيعة علاقتها بالقوات الإسرائيلية وبالجهة الفلسطينية التي ستتولى إدارة القطاع.
وتؤكد تقارير إسرائيلية وأميركية أن العناصر المغربية الواصلة تشارك في نقاشات التخطيط والتحضير لقوة الاستقرار الدولية، لا في انتشار عملياتي داخل غزة حتى الآن. ويفتح هذا التمييز الباب أمام قراءة التطور باعتباره خطوة سياسية ورمزية مهمة، لكنها لا ترقى بعد إلى انتقال كامل نحو تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن المغرب، إلى جانب دول أخرى بينها إندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، تعهد بالمشاركة في القوة الدولية المزمع نشرها في غزة. كما طرحت أسماء دول إضافية، بينها اليونان وألبانيا، في إطار توسيع قاعدة المشاركة الدولية في القوة.
ووفق التصور الأميركي، يفترض أن تضطلع قوة الاستقرار الدولية بمهام تشمل حماية المدنيين، وتأمين الممرات الإنسانية، ودعم تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة، والمساهمة في حفظ الأمن في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، إضافة إلى الإشراف على ترتيبات نزع السلاح ومنع إعادة بناء البنى العسكرية للجماعات المسلحة غير الحكومية.
غير أن هذه المهام ما زالت تصطدم بعقبات سياسية وميدانية كبيرة، في مقدمتها الخلاف حول سلاح الفصائل، وحدود الانسحاب الإسرائيلي، وطبيعة الجهة الفلسطينية التي ستتولى إدارة القطاع، وموقف الأطراف الإقليمية من المشاركة في قوة قد تُفهم شعبياً على أنها تعمل تحت مظلة أميركية ـ إسرائيلية.
وبحسب مصادر متابعة، لم تُحرز المرحلة الثانية من الخطة الأميركية تقدماً ملموساً حتى الآن، رغم مرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار. فالخطة تفترض انتقالاً منظماً من وقف العمليات العسكرية إلى إعادة ترتيب الحكم والأمن في غزة، لكن استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتعثر إدخال المساعدات، وغياب توافق نهائي بشأن إدارة القطاع، جعلت البنود الأساسية معلقة.
كما أن نشر قوة دولية في بيئة مدمرة ومكتظة مثل غزة يطرح تحديات أمنية وإنسانية معقدة، لا سيما في ظل استمرار الدمار الواسع في البنية التحتية، ووجود مئات آلاف النازحين، والحاجة إلى ضمان ألا تتحول القوة إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من إنهاء أسبابها السياسية والإنسانية.
وفي المغرب، يحمل الإعلان حساسية سياسية خاصة، في ظل استمرار الرفض الشعبي الواسع للتطبيع مع إسرائيل، واتساع الغضب من الحرب على غزة. لذلك يبقى الموقف الرسمي المغربي موضع ترقب، خاصة أن إعلان "مجلس السلام" لم يترافق حتى الآن مع بيان تفصيلي من الرباط يوضح طبيعة المهمة أو عدد المشاركين أو حدود الدور المغربي.
وتكتسب الخطوة المغربية أهميتها من كونها أول إشارة عملية عربية معلنة في مسار بناء قوة الاستقرار الدولية، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم الفجوة بين الإعلان السياسي والتنفيذ الميداني. فوصول ضباط تخطيط إلى إسرائيل لا يعني أن القوة باتت جاهزة للانتشار، ولا أن الملفات الخلافية المرتبطة بالمرحلة الثانية قد حُسمت.
وبذلك، تبدو مشاركة الضباط المغاربة اختباراً مبكراً لمستقبل الخطة الأميركية في غزة: فإما أن تكون بداية مسار دولي منظم يفضي إلى انسحاب إسرائيلي أوسع وإعادة إعمار وإدارة فلسطينية للقطاع، وإما أن تبقى خطوة رمزية ضمن خطة لا تزال بنودها الجوهرية عالقة بين الحسابات الأميركية والإسرائيلية، والتحفظات الإقليمية، والواقع الفلسطيني الميداني.
