في رواية "وحده من يقتلع العاقول" للروائيّ العراقي الأمريكي عمر سعيد، الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" (2026)، نتابع حياة الصحفي العراقي "وديع" المهاجر بعائلته إلى الولايات المتحدة هربًا من معتقلات العراق التي لاقى فيها ألوانًا من العذاب، وأملًا في حياةٍ ومستقبل أفضل في بلاد الحريّات المزعومة، بحثًا عن فضاءٍ يتّسع لقلمه الحرّ ولشغفه بنشر الحقيقة الكاملة دون تحيّز أو تحريف لكن قيود الصحافة والإعلام تلاحقه إلى مهجره كما تلاحقه أعباء الغربة الحتمية والصراع الثقافي بين طباع وطنه الأم وثقافة الوطن المنشود؛ أمريكا.
يتحرك سرد الرواية بين زمانين مختلفين، إذ ينطلق من لحظة حاضِرة من عام 2014 بولاية فرجينيا تنقل مشهدًا حيًّا من بيت "وديع" الثائر أثناء المعضلة التي قلبت حياته وهدّدت بقاءه في أمريكا، ويتقلّب بينها وبين ماضٍ قريب عام 2006 بالولاية نفسها في خضمّ عمله في المحطة التلفزيونية الناطقة بالعربية، ونستمرّ في متابعة حياةِ الصحفي في خطّين زمنيين متوازيين كأنهما قصّتان مختلفتان، تمتلئ بينهما الفراغات وتتراتب الأحداث كقطع الأحجية واحدة بعد أخرى حتى يتقاطع الخطّان معًا ويتّحدان سائرين إلى مستقبلٍ أبعد إلى ما بعد عام 2023.
توثّق الرواية مرحلةً مفصلية من تاريخ العراق، وهي الفترة بعد إعدام رئيسها "صدّام حسين" ثم تدخّل القوات الأمريكية وقواعدها وما اندلع بعدها من فتنة طائفية راح ضحيّتها الكثير من المواطنين. ومن حال العراقيّ المشتت بوطنه إلى حال المهاجر العربي في بلاد الغرب؛ وصراعه مع الثقافة الغربية المعاكسة لكلّ ما نشأ عليه، يصارعها وتصارعه فتصرعه في كثير الأحيان، بين النظام الروتينيّ الطاحن وحياة المواطن الغربيّ السريعة المنعزلة والعملية فقيرة العواطف، وفوضى الشرق وحميّته وعصبيّته ودمائه الحارّة بالعاطفة.
تجسّد شخصية "وديع" حالةً من التناقضات الصارخة؛ فهو عربيّ هاجر لبلاد الغرب، متزوج من طائفة مغايرة لعائلته، يتمسّح بظواهر الدين ويخالف جواهره، يعلن يأسه من انصلاح الحال العربيّ بينما يضمر في نفسه الأمل في تغييره، تبهره طباع الإنسان الغربي وسلوكه بينما يتعذّر في أخطائه بطبعه الشرقي وطريقة نشأته، يشيد بنمط الحياة الأمريكي الصارم بينما يتذمّر من ثقل قوانينه وطواحينه التي لا ترحم. ينشُد الاستقرار العائلي ودفء روابطه بينما يجمح بأفعاله طارقًا كلّ أبواب الطيش التي يتيحها له المجتمع الغربي والتي كانت محظورة عليه مسبقًا في الشرق المحافظ.
تبرز في شخصية البطل صفات النضال والعناد والإصرار، وتتجسّد فيه شخصية المناضل الوحيد السابح عكس التيّار؛ يصرّ على أفكاره ومبادئه ولا يقبل التهاون فيها أو التوسّط حتى لو عنى ذلك معاداة الواقع.. لا تعرف شخصية "وديع" الحلول الوسط ولا الانبطاح أمام الطوفان، لكن مع كلّ عناده الشديد صوّر مثالًا واقعيًّا لتطوّر الشخصية التي قلّمها السنّ وشحذتها الظروف، ليتحوّل مع تراكم سنينه ومصاعبه لا إلى إنسانٍ آخر بالكليّة بل إلى إنسان يحارب بطرق أخرى؛ استبدل بالاندفاع الحكمة وبالصراخ الكلمة النافذة وبعراك الأيدي ثقل الأفعال.
تتطرق أحداث الرواية التي رسم لوحة غلافها الفنان موفق الرسام إلى توثيق محطات فارقة في تاريخ الشرق الأوسط، مع ما يعرف بثورات الربيع العربي المنطلقة من تونس والمتتالية في العقد المنصرم، وأثر تلك التحولات على واقع الإنسان العربي، ومنها إلى لمحة عن حياته في الواقع الغربي في الولايات المتحدة الأمريكية بعد تبدّل حاكم بآخر وتبعات ذلك على المهاجرين، ثم إلى الجائحة العالمية "كورونا" وآثارها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي المستمرّة تبعاتها حتى الآن، ويُختتم حاضر الرواية باندلاع الحرب الأخيرة في الأراضي المحتلة بفلسطين ضد الكيان الصهيوني، وبها تبدأ حرب الصحفي الجديدة لنقل الحقيقة في قلب مجتمع يدعم أجندة خاصّة متحيّزة.
استخدم المؤلف للسرد لغةً فصيحة خفيفة، وتنوّع الحوار فيها بين الفصحى واللغة المحكية باللهجات العربية المختلفة؛ العراقية واللبنانية والمصرية... إلخ. وكذلك حفلت الرواية بالثقافة الشرقية عامةً وبالثقافة العراقية خاصةً، بكل صورها وأشكالها من عقائد كعقيدة السنة والشيعة، ومذاهب كالصوفية مع ذكر مظاهرها كالتكيّة وطقوسها المتطرفة كالـ"درباشة"، وأصناف المأكل كالباجة والكليجة، والملبس كالدشداشة والغترة. كما انبنى السرد في الرواية بناءً دائريًّا إذ تردّنا الصفحات قُبيل الأخيرة إلى المشهد الافتتاحي بحذافيره ونصّه لكن بعد فهمٍ أعمق لمقدمات تلك الذروة.
جدير بالذكر أن عمر سعيد من مواليد بغداد عام 1971، حصل على درجة البكالويوس في تخصص الفنون المسرحية من أكاديمية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بغداد، انتقل بعدها إلى عمّان ليعمل في حقل الكتابة التلفزيونية عبر كتابة مسلسل «ترانيم العاشقين» وغيره من الأعمال الأدبية. رحل إلى لبنان للعمل في حقل الإنتاج الدرامي في تلفزيون «المستقبل» ببيروت. هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ عمله مديراً لقسم اللاجئين في مدينة لوس انجلوس بولاية كاليفورنيا. انتقل بعدها إلى العاصمة واشنطن ليعمل منتجاً ومقدماً تلفزيونياً لبرنامج «الطبعة الأخيرة» في قناة «الحرة عراق» مدة 12 عاماً، صدر له في الرواية: «مستر كلكامش» (2024)، وفي القصة: «المومسات الثلاث» (2016) و«المنيع» (2023).
