وقّع لبنان وإسرائيل، يوم الجمعة 26 يونيو/حزيران 2026، اتفاق إطار برعاية الولايات المتحدة، في ختام جولة جديدة من المفاوضات المباشرة التي استضافتها واشنطن على مدى أيام. ويمثل الاتفاق أول اختراق سياسي معلن بين الجانبين منذ اندلاع الحرب الأخيرة في مارس/آذار، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى اتفاق سلام نهائي، إذ لا تزال بنوده التنفيذية، ولا سيما المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وترتيبات الأمن ونزع سلاح حزب الله، موضع اختبار سياسي وميداني بالغ التعقيد.
وجرت مراسم التوقيع في مقر وزارة الخارجية الأميركية بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي وصف الاتفاق بأنه “خطوة أولى” على طريق طويل نحو سلام دائم وأمن مستقر بين لبنان وإسرائيل. ووقّعت عن الجانب اللبناني السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوّض، فيما وقّع عن الجانب الإسرائيلي السفير لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، في مشهد رفعت خلاله أعلام الدول الثلاث، في إشارة إلى الرعاية الأميركية المباشرة للمسار التفاوضي.
وقال روبيو خلال المراسم إن ما أُنجز “مهم وأساسي”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “الكثير من العمل” لا يزال ينتظر الأطراف. وتحدث الوزير الأميركي عن إطار يفتح الباب أمام وقف دائم للأعمال القتالية، وترتيبات أمنية تضمن عدم عودة التصعيد على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية، مع منح الدولة اللبنانية فرصة لاستعادة حضورها الأمني والسيادي في المناطق الجنوبية.
من جهتها، اعتبرت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوّض أن الاتفاق يشكل خطوة أولى نحو استعادة السيادة اللبنانية ووحدة الأراضي، وتأمين وقف نهائي للأعمال العدائية، وتمكين اللبنانيين من العودة إلى أراضيهم ومنازلهم. وجاء الموقف اللبناني الرسمي في سياق خطاب يؤكد أن المفاوضات لا تعني التخلي عن المطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل، بل تهدف، بحسب بيروت، إلى وضع مسار تدريجي لاستعادة الدولة سلطتها على الأرض.
أما السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، فقد ربط الاتفاق بما وصفه بإخراج إيران وحزب الله من معادلة التفاوض، قائلاً إن المسار الجديد يقوم على اتفاق “مرتبط بالأداء”، أي أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى سيبقى مشروطاً بتنفيذ الترتيبات الأمنية المتفق عليها. ويعكس هذا الخطاب الموقف الإسرائيلي الذي يربط أي انسحاب ميداني بضمانات تتعلق بتفكيك بنى حزب الله العسكرية ومنع عودته إلى مناطق قريبة من الحدود.
وتدور أبرز نقاط الاتفاق، وفق ما رشح من مصادر دبلوماسية وإعلامية، حول إنشاء منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان أو قربه، تنسحب منهما القوات الإسرائيلية بصورة محدودة ومتسلسلة، على أن تنتشر مكانها وحدات من الجيش اللبناني. وتُعد هذه “المناطق التجريبية” اختباراً عملياً لمدى قدرة الجيش اللبناني على تولي المسؤولية الأمنية، قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من الانسحاب أو إعادة الانتشار.
وبحسب التسريبات المتداولة، تقع إحدى المنطقتين جنوب نهر الليطاني، فيما تقع الثانية شماله، مع اختلاف في توصيف موقعهما الدقيق وحدود ارتباطهما بما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية” أو “الحزام الأمني”. ومن المتوقع أن تلعب الولايات المتحدة دوراً مباشراً في متابعة تنفيذ هذه المرحلة، عبر تدريب أو مرافقة أو التحقق من جاهزية وحدات الجيش اللبناني، والتأكد من عدم وجود عناصر أو بنى عسكرية لحزب الله داخل المناطق التي ستنتقل إليها السيطرة اللبنانية الرسمية.
غير أن الاتفاق وُلد مثقلاً بتناقضات كبرى. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن، عقب التوقيع، أن إسرائيل ستبقى في الشريط الأمني جنوبي لبنان ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه وما دام هناك تهديد لإسرائيل. واعتبر نتنياهو أن الاتفاق يمثل “إنجازاً كبيراً” لإسرائيل و”ضربة لإيران”، مؤكداً أن تل أبيب لن تتنازل عن حرية العمل العسكري في المناطق التي تعتبرها ضرورية لأمنها.
هذا الموقف الإسرائيلي يفتح الباب أمام إشكالية جوهرية: هل يشكل الاتفاق بداية انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، أم أنه يكرس وجوداً عسكرياً إسرائيلياً مشروطاً ومفتوح المدة تحت عنوان الأمن؟ فبينما تركز بيروت على بند استعادة السيادة وعودة السكان، تركز تل أبيب على بند نزع سلاح حزب الله وضمان عدم تشكل أي تهديد من الجنوب.
داخلياً، يواجه الاتفاق اعتراضاً حاداً من حزب الله، الذي لم يكن طرفاً في المفاوضات. فقد رفضت شخصيات ومسؤولون محسوبون على الحزب الاتفاق، واعتبروه غير ملزم لهم، محذرين من أن محاولة فرض ترتيبات نزع السلاح بالقوة قد تدفع لبنان إلى مواجهة داخلية خطيرة. ويرى الحزب أن أي اتفاق لا يبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية يبقى، من وجهة نظره، تفويضاً لإسرائيل بالبقاء العسكري تحت غطاء أميركي.
ويزيد موقف حزب الله من تعقيد مهمة الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها بين ضغط دولي وإقليمي لإثبات قدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري، وبين واقع داخلي شديد الحساسية يرتبط بتوازنات الطوائف والقوى المسلحة والشارع المتضرر من الحرب. ولذلك تبدو المرحلة المقبلة اختباراً ليس فقط للعلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل لقدرة المؤسسات اللبنانية على فرض سلطة الدولة من دون الانزلاق إلى صدام داخلي.
وتأتي أهمية الاتفاق في ظل حصيلة بشرية وميدانية قاسية للحرب الأخيرة. فقد أسفرت المواجهات التي اندلعت في مارس/آذار عن مقتل آلاف الأشخاص في لبنان ونزوح أكثر من مليون، وفق تقديرات وتقارير إعلامية ووكالات دولية، فيما تكبدت إسرائيل خسائر عسكرية ومدنية على جبهتها الشمالية. ورغم الهدنة الهشة التي سبقت توقيع الاتفاق، استمرت التوترات الميدانية، بما في ذلك ضربات إسرائيلية وتحذيرات لسكان بعض المناطق الجنوبية، ما يعكس أن وقف النار ما زال هشاً وقابلاً للانهيار.
سياسياً، لا يمكن فصل الاتفاق عن المسار الأوسع للحرب الإقليمية التي اندلعت عقب الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في فبراير/شباط، وما تبعه من دخول حزب الله المواجهة بإطلاق صواريخ على إسرائيل. كما يتقاطع اتفاق واشنطن مع محادثات منفصلة بين الولايات المتحدة وإيران، إذ حاولت طهران ربط وقف الحرب على لبنان بوقف أوسع للتصعيد في المنطقة، بينما سعت واشنطن إلى فتح مسار لبناني ـ إسرائيلي مستقل يحد من قدرة إيران على التحكم بمصير الجبهة اللبنانية.
وعليه، يبدو الاتفاق الإطاري أقرب إلى “إعلان مسار” منه إلى تسوية نهائية. فهو يحدد اتجاهات عامة: وقف الأعمال القتالية، انتشار الجيش اللبناني، انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة، واستكمال البحث في ترتيبات أمنية أوسع. لكنه يترك أسئلة أساسية بلا إجابات نهائية: ما الجدول الزمني للانسحاب؟ من يحدد نجاح المناطق التجريبية؟ هل سيكون للولايات المتحدة دور مراقب أم ضامن؟ وما الآلية العملية للتعامل مع سلاح حزب الله؟
في القراءة اللبنانية الرسمية، قد يمثل الاتفاق فرصة نادرة لاستعادة الدولة زمام المبادرة بعد سنوات من الفراغ والانقسام والحرب. أما في القراءة الإسرائيلية، فهو أداة لإعادة صياغة قواعد الأمن على الحدود ومنع حزب الله من العودة إلى ما قبل الحرب. وبين القراءتين، يقف لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، عنوانها المعلن السيادة، وعنوانها العملي القدرة على تحويل نص سياسي وُقّع في واشنطن إلى وقائع آمنة ومستقرة على الأرض.
وبين التفاؤل الأميركي والحذر اللبناني والتشدد الإسرائيلي ورفض حزب الله، يبقى الاتفاق الإطاري بداية مسار محفوف بالمخاطر أكثر منه نهاية أزمة. نجاحه سيعتمد على ما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي سيصبح واقعاً متدرجاً وملموساً، وما إذا كان الجيش اللبناني سيحصل على الدعم السياسي والميداني الكافي لتولي المسؤولية، وما إذا كان الداخل اللبناني قادراً على تجنب الانفجار في لحظة إعادة ترتيب ميزان القوة جنوباً.
حتى الآن، يمكن القول إن واشنطن نجحت في جمع توقيعين كانا قبل أشهر مستبعدين سياسياً، لكنها لم تحسم بعد العقدة الأكبر: كيف يمكن بناء سلام أو وقف دائم للنار في بلد لا تزال فيه السيادة موضع صراع، والسلاح موضع انقسام، والحدود موضع اختبار يومي.
