«مجلس السلام» لم يتحول إلى مؤسسة بعد.. واشنطن التزمت «الصمت الكامل» إزاء مقترح بشأن ضبط السلاح

برنامج محاولة فهم.jpg

كشف برنامج «محاولة فهم» عن معطيات جديدة تتعلق بكواليس الاتصالات السياسية التي رافقت ما يعرف بـ«خطة ترامب» بشأن قطاع غزة، وتعثر مشروع «مجلس السلام»، إضافة إلى مقترح قال الدكتور بشارة بحبح الذي شارك في الوساطة إنه تسلمه من حركة «حماس» حول ملف «ضبط السلاح»، ونقلته إلى الإدارة الأميركية، قبل أن يكون الرد، بحسب روايته، «صمتاً كاملاً».

وجاءت هذه المعطيات خلال حلقة قدمها الإعلامي عثمان آي فرح، وناقشت مستقبل قطاع غزة بعد الهدنة، ومآلات «خطة ترامب»، ودور «مجلس السلام»، وترتيبات إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وسط سجال بين ضيوف الحلقة بشأن حدود موافقة «حماس» على الخطة، وطبيعة الالتزامات التي ترتبت عليها، والجهة القادرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ أي اتفاق.

واستهل مقدم البرنامج النقاش بالإشارة إلى مقولة عالم السياسة الأميركي فرنسيس فوكوياما، التي ترى أن نجاح المؤسسات لا يعتمد فقط على القوانين والهياكل الإدارية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى ثقة المجتمع المحلي. وانطلاقاً من ذلك، سأل الأكاديمي ومؤسس منظمة «أمريكيون من أجل السلام» الدكتور بشارة بحبح عن أسباب تعثر «مجلس السلام»، الذي كان يفترض أن يكون أحد أعضائه، وما إذا كان التعثر يعكس غياب الثقة المحلية بالمجلس.

وقال بحبح إن فهم أزمة «مجلس السلام» يبدأ من فهم طبيعة «خطة ترامب» نفسها، معتبراً أن الهدف الأول للخطة كان تحرير الأسرى الإسرائيليين ووقف القتال، لا إعادة صياغة المشهد السياسي الفلسطيني بصورة شاملة. وأضاف أن الملفات اللاحقة، ومنها مستقبل الحكم في غزة وترتيبات الإدارة والسلاح، جاءت في مرتبة تالية بعد الهدف الأساسي المتعلق بوقف الحرب وإطلاق سراح الأسرى.

وتحدث بحبح عن اتصالات قال إنه أجراها مع حركة «حماس» في الدوحة والقاهرة ومواقع أخرى، مشيراً إلى أنه استغرب موافقة الحركة على الخطة، بعد أن أمضى الوسطاء ثمانية أشهر في محاولة التوصل إلى هدنة لمدة ستين يوماً. واعتبر أن الحركة كانت تمتلك قبل توقيع الاتفاق «ورقة ضغط» كان يمكن أن تستثمرها بشكل أفضل للحصول على شروط إضافية.

ورداً على سؤال بشأن البدائل التي كانت متاحة أمام «حماس»، قال بحبح إن اللحظات التي سبقت توقيع الاتفاق مثّلت، في تقديره، فرصة تفاوضية نادرة، موضحاً أن المسؤولين الأميركيين المشاركين في تلك المرحلة، ومن بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، لم يكونوا، وفق روايته، قادرين على مغادرة قاعة التفاوض من دون اتفاق، لأن الرئيس الأميركي كان ينتظر الإعلان عنه. واعتبر أن ذلك كان يمنح الحركة مجالاً لطرح مطالب إضافية قبل التوقيع النهائي.

وانتقل بحبح إلى الحديث عن «مجلس السلام»، مؤكداً أن المجلس، من وجهة نظره، لم يتحول حتى الآن إلى مؤسسة قائمة، بل ما زال «مجرد فكرة». وأشار إلى أنه لم يعقد أي اجتماع منذ الإعلان عنه، متسائلاً عن طبيعة الصلاحيات الفعلية للشخصيات التي تقدم نفسها بوصفها ممثلة له.

وفي هذا السياق، تحدث بحبح عن دور نيكولاي ملادينوف، قائلاً إن الأخير أعاد صياغة النقاط العشرين الواردة في الخطة إلى 15 نقطة، ثم عرضت على حركة «حماس» باعتبارها خطة «مطورة». ورأى بحبح أن ما جرى لا يتجاوز، في جوهره، إعادة صياغة للنقاط الأصلية، وليس تأسيساً لمسار سياسي جديد أو مؤسسة قادرة على العمل بفاعلية.

وخلص إلى أن «مجلس السلام» لن يكون قادراً على أداء دور فعلي ما لم يتدخل الرئيس الأميركي شخصياً لدفع العملية السياسية، مضيفاً أن هذا التدخل يحتاج أولاً إلى اقتناع واشنطن بأن تحقيق تقدم في الملف الفلسطيني يخدم مصالحها الإقليمية والدولية.

وفي قراءته لموقف الدول العربية، قال بحبح إن العواصم العربية تملك، بحسب تقديره، وسيلة للتأثير في الرئيس الأميركي، عبر التأكيد أن إنهاء المواجهة مع إيران ينبغي أن يتبعه إطلاق عملية سلام شاملة في الشرق الأوسط، وأن استقرار المنطقة يظل مرتبطاً بحل الصراع العربي الإسرائيلي.

كما أشار إلى ما وصفه بورقة ضغط داخلية في الولايات المتحدة، تتمثل في الوزن الانتخابي للعرب والمسلمين الأميركيين، خصوصاً في الولايات المتأرجحة. واعتبر أن الانتخابات النصفية المقبلة، وكذلك الانتخابات الرئاسية لعام 2028، تمنح هذه الكتلة فرصة للتأثير في القرار السياسي الأميركي، مضيفاً أن الانتخابات الرئاسية السابقة أظهرت، في تقديره، أهمية أصوات العرب والمسلمين في ترجيح كفة بعض الولايات.

لكن الأكاديمي والمؤرخ الفلسطيني محسن صالح قدّم قراءة مختلفة، إذ شدد على ضرورة التمييز بين اتفاقين منفصلين: الأول اتفاق يناير/كانون الثاني 2025، الذي قال إن إسرائيل نقضته بعد ثلاثة أشهر رغم الغطاء الأميركي، والثاني هو «خطة ترمب» التي أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي أنشأت «مجلس السلام».

وأكد صالح أن موافقة حركة «حماس» لم تشمل، بحسب قراءته، جميع بنود الخطة، وإنما اقتصرت على المرحلة الأولى المتعلقة بوقف الحرب، وإدخال المساعدات، وتبادل الأسرى، بينما تُركت البنود الأخرى المرتبطة بمستقبل الشعب الفلسطيني، والسيادة، وحكم قطاع غزة، إلى الإجماع الفلسطيني. واعتبر أن الحركة لا تملك حق اتخاذ قرار منفرد في قضايا بهذا الحجم.

وعندما سأل عثمان آي فرح عما إذا كان ذلك يعني أن «حماس سلمت رقبتها» بتوقيعها، تمسك بحبح بموقفه قائلاً إن الحركة وقعت على النقاط العشرين، بينما رد صالح بأن الحركة أعلنت موافقتها وفق صيغة محددة، وأن الوثائق تثبت أن قبولها انحصر في المرحلة الأولى من الخطة.

واستمر السجال بين الضيفين، إذ عاد بحبح ليؤكد أن توقيع الاتفاق كان، برأيه، خطأً تفاوضياً، معتبراً أن الحركة كان بإمكانها المطالبة بمكاسب إضافية قبل وضع توقيعها النهائي على الوثيقة. وأوضح أن من بين الأوراق التي كان يمكن استخدامها الإبقاء على آلية الإفراج التدريجي عن الأسرى، كما حدث في اتفاقات سابقة، لأن هذا الأسلوب كان يمثل، في تقديره، وسيلة لإلزام إسرائيل بالاستمرار في تنفيذ الاتفاق.

وتساءل بحبح: «ما الذي سيجبر إسرائيل على الالتزام إذا جرى تسليم جميع الأسرى دفعة واحدة؟»، قبل أن يجيب بأن الولايات المتحدة، من وجهة نظره، لن تكون قادرة على فرض الالتزام الكامل على إسرائيل. وشدد في الوقت نفسه على أن هدفه الشخصي كان إنهاء الحرب ووقف الإبادة، لكنه رأى أن ظروف التفاوض في الصيف الماضي كانت تمنح «حماس» فرصة للحصول على شروط أفضل.

وانتقل النقاش بعد ذلك إلى سؤال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد كامل عمرو عن الجهات القادرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ أي اتفاق، والدور الذي تستطيع القاهرة القيام به في هذا السياق.

وقال عمرو إن مجرد قبول إسرائيل بوقف الإبادة، بعد عامين من الحرب، يعد إنجازاً بالنظر إلى موازين القوى القائمة، موضحاً أن إسرائيل تحظى بدعم أقوى دولة في العالم سياسياً وعسكرياً، وهو ما يجعل الواقع شديد التعقيد. وأضاف أن مصر تظل الطرف الإقليمي الأكثر تأثيراً بالنسبة إلى إسرائيل، بحكم الجغرافيا والتاريخ والأمن القومي، وأن أدوات الضغط المصرية تنبع من هذه المكانة.

وشدد عمرو على أن الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر، معرباً عن أمله في التوصل إلى توافق فلسطيني، ومعتبراً أن غياب هذا التوافق كان أحد العوامل التي أسهمت في الوصول إلى الوضع الحالي. وحذر من أن ما يجري قد يقود إلى إعادة إنتاج مشاهد التهجير التي شهدها الفلسطينيون عام 1948.

غير أن أبرز ما شهدته الحلقة جاء عند الانتقال إلى ملف السلاح في قطاع غزة، إذ كشف بحبح، للمرة الأولى، عن وثيقة قال إنه تلقاها مباشرة من حركة «حماس» في 22 من الشهر الماضي، وطلبت منه إيصالها إلى الإدارة الأميركية باعتبارها مقترحاً يتعلق بما سمته الحركة «ضبط السلاح»، لا نزع السلاح بالمفهوم الذي تطرحه إسرائيل والولايات المتحدة.

وأوضح بحبح أن المقترح لا يقوم على فكرة نزع السلاح بصورة مباشرة، بل على توسيع مفهوم الأمن ليصبح التزاماً متبادلاً بين جميع الأطراف خلال هدنة طويلة الأمد تمتد بين 10 سنوات و15 سنة، وتكون مكفولة بضمانات يقدمها الوسطاء، إلى جانب ضمانات دولية.

وبحسب بحبح، تضمنت الوثيقة سلسلة من الالتزامات، من بينها ضمان الأمن للطرفين خلال الهدنة، ووقف جميع الأعمال والنشاطات العسكرية، وعدم استخدام السلاح أياً كان نوعه، ووقف كل المظاهر المسلحة، ووقف تصنيع الأسلحة والذخائر، ووقف تهريب السلاح إلى قطاع غزة، وعدم بناء أنفاق جديدة، ووقف استخدام الأنفاق القائمة، وإزالة المواقع العسكرية في القطاع، على أن يشمل الاتفاق جميع الفصائل الفلسطينية، وأن توضع آليات تنفيذية واضحة، إلى جانب تعيين لجنة مراقبة لمتابعة الالتزام بهذه البنود.

وقاطع عثمان آي فرح ضيفه لافتاً إلى أن هذه التفاصيل تُعلن للمرة الأولى عبر البرنامج، فرد بحبح مؤكداً أن هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها مضمون المقترح، مضيفاً أنه قرر الإعلان عنه لأن «من حق الجميع معرفة أين وصلت النقاشات»، ولأن هناك، بحسب وصفه، فرقاً بين الطرح الإسرائيلي والأميركي لمفهوم نزع السلاح، وبين المقترح الذي قدمته «حماس» تحت عنوان «ضبط السلاح».

وكشف بحبح أنه نقل الوثيقة بنفسه إلى الإدارة الأميركية، موضحاً أنه تسلمها باللغة العربية، ثم ترجمها وأرسلها خلال نصف ساعة إلى الجهات الأميركية المعنية. وعندما سأله آي فرح عن رد الإدارة الأميركية، أجاب بحبح بكلمتين: «صمت كامل».

وعن تفسيره لهذا الصمت، قال بحبح إنه يرجح أحد احتمالين؛ الأول أن الإدارة الأميركية لا تعتبر الطرح منسجماً مع تصورها لمفهوم نزع السلاح، والثاني أن تكون «حماس» نفسها قادرة في أي وقت على سحب هذا المقترح وعدم البناء عليه.

في المقابل، قدم محسن صالح قراءة مختلفة لموقع ملف السلاح ضمن «خطة ترامب»، مؤكداً أن نصوص الخطة لا تتضمن، بصيغتها الأصلية، شرطاً ينص على أن إعادة إعمار قطاع غزة لن تبدأ إلا بعد نزع السلاح. واعتبر أن هذا الربط غير موجود في الوثيقة كما يقدمه بعض الأطراف.

وأوضح صالح أن الخطة تتحدث بصورة عامة عن وقف الحرب، وإدخال المساعدات الإنسانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإطلاق خطة اقتصادية واسعة، وتقديم ضمانات دولية لتنفيذ الاتفاق، ومنع التهجير، وضمان حق العودة، إضافة إلى ترتيبات تقضي بعدم احتلال إسرائيل لقطاع غزة أو ضمه، وتسليم المناطق وفق آليات محددة.

وأضاف أن قضية نزع السلاح وردت، بحسب قراءته، في سياق منفصل يتعلق بعدم وجود دور لحركة «حماس» في إدارة قطاع غزة مستقبلاً، لا باعتبارها شرطاً مسبقاً لإعادة الإعمار. وأشار إلى أن جميع هذه الملفات بقيت مفتوحة أمام التفاوض، ولم تتحول إلى التزامات نهائية.

ورأى صالح أن «حماس»، بالتنسيق مع الفصائل الفلسطينية، أحالت القضايا المتعلقة بمستقبل القطاع إلى التوافق الفلسطيني، ولم تعتبر نفسها مخولة باتخاذ قرارات منفردة بشأنها.

وفي قراءته للموقف الإسرائيلي، قال صالح إن تل أبيب كانت تريد تحقيق نزع السلاح ضمن أهدافها المعلنة، لكنها فضلت إعطاء الأولوية لاستعادة أسراها، وهو ما دفع الرئيس الأميركي، بحسب رأيه، إلى التركيز على هذا الملف أولاً. وأضاف أن إسرائيل وجدت نفسها، بعد استعادة الأسرى، من دون أن تحقق بقية أهدافها، وفي مقدمتها نزع السلاح، أو فرض سيطرة كاملة على قطاع غزة، أو تنفيذ الشروط التي كانت تطمح إليها.

وتكشف الحلقة، بما تضمنته من روايات متباينة وسجالات مباشرة، أن مستقبل «خطة ترامب» و«مجلس السلام» لا يزال مفتوحاً على أسئلة كبيرة؛ فبين من يرى أن «حماس» أخطأت تقدير لحظة التوقيع، ومن يعتبر أن موافقتها كانت محدودة ومشروطة، وبين من يطرح «ضبط السلاح» بديلاً عن نزعه، ومن ينتظر موقفاً أميركياً واضحاً، يبقى قطاع غزة أمام مرحلة انتقالية غامضة، تتداخل فيها الحسابات الإنسانية والأمنية والسياسية، من دون أن تتضح بعد الجهة القادرة على تحويل التفاهمات إلى واقع مستقر.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الدوحة