أعاد إعلان أجهزة أمنية تابعة لحركة حماس في قطاع غزة تنفيذ حكم الإعدام بحق فلسطيني اتهمته بـ“التخابر” مع المخابرات الإسرائيلية والمشاركة في اغتيال القائد الراحل في كتائب القسام عز الدين الحداد، تسليط الضوء على الملف الأمني الداخلي في القطاع، وسط حديث عن حملة أوسع لملاحقة متهمين بالتعاون مع الاحتلال خلال الحرب وبعد اتفاق وقف إطلاق النار الهش.
وأعلن ما يعرف بـ“أمن المقاومة” في غزة، مساء أمس الأربعاء، تنفيذ حكم الإعدام بحق شخص أشار إليه بالأحرف الأولى من اسمه “م. م”، قائلاً إنه أُدين بالارتباط مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وبالتسبب في عمليات أدت إلى استشهاد فلسطينيين واغتيال قيادات من فصائل المقاومة، كان آخرها اغتيال قائد هيئة أركان كتائب القسام عز الدين الحداد.
وقال البيان إن تنفيذ الحكم جاء “بعد استنفاد كافة الإجراءات الثورية”، مؤكداً أن المتهم شارك، وفق رواية الجهة الأمنية، في تقديم معلومات ساعدت الاحتلال على تنفيذ اغتيالات وعمليات استهداف خلال الحرب على قطاع غزة. كما حذر البيان من وصفهم بـ“المتعاونين مع الاحتلال”، داعياً من قال إنهم “ضلوا الطريق” إلى تسليم أنفسهم قبل فوات الأوان.
ويأتي الإعلان بعد نحو شهرين من اغتيال إسرائيل عز الدين الحداد في غارة جوية بمدينة غزة منتصف أيار/ مايو الماضي، قبل أن تغتال لاحقاً محمد عودة، الذي قيل إنه تولى موقعاً قيادياً بعد الحداد، في فارق زمني لم يتجاوز أسبوعين، وفق ما نقلته مصادر صحفية عن جهات في حماس.
وبحسب مصادر تحدثت لصحيفة “الشرق الأوسط”، فإن أجهزة حماس الأمنية بصدد إعلان جديد يتعلق بإعدام شخص آخر تتهمه بتقديم معلومات ساعدت في اغتيال محمد عودة، في مؤشر على اتساع نطاق التحقيقات الأمنية المرتبطة بسلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات وعناصر من الحركة وذراعها العسكرية خلال الأشهر الماضية.
وتحدثت المصادر ذاتها عن روايتين متقاربتين بشأن توقيف المتهم في قضية اغتيال الحداد؛ إذ قال مصدر ميداني إنه اعتقل من موقع عملية الاغتيال بعد رصد تواصله مع ضابط في المخابرات الإسرائيلية، فيما قال مصدر أمني إنه أوقف في اليوم التالي بعد الاشتباه في وجوده بموقع الاستهداف ثم في مستشفى الشفاء، حيث كان، بحسب الرواية الأمنية، يحاول التأكد من هويات الضحايا والمصابين.
ووفق تلك الروايات، فإن المتهم أقر خلال التحقيق معه بمراقبة أماكن مرتبطة بعائلة الحداد، وبالتنقل بينها لصالح جهة مشغلة في المخابرات الإسرائيلية. كما قالت المصادر إن أجهزة أمنية عثرت بحوزته على معدات اتصال وتنصت وأدوات لتحديد مسارات الدخول والخروج، وإن المعلومات التي قدمها ساهمت في اغتيال عدد من عناصر كتائب القسام وفصائل أخرى، وهي ادعاءات لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.
وفي ملف اغتيال محمد عودة، قالت مصادر من حماس إن شخصاً آخر اعتقل بعد يومين من العملية، وإنه متهم بمراقبة تحركات عائلة عودة، وخصوصاً زوجته، قبل الغارة التي استهدفته. ووفق الرواية التي نقلتها المصادر، فإن المتهم كان يراقب تحركات العائلة في يوم اغتيال عودة، وساهم في تأكيد وجوده داخل شقة سكنية قبل قصفها.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الأجهزة الأمنية في غزة تتعامل مع الاغتيالات الأخيرة باعتبارها نتيجة اختراقات ميدانية وشبكات رصد بشرية، في ظل استمرار قدرة الاحتلال على تنفيذ ضربات دقيقة ضد قيادات ميدانية رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
وفي السياق ذاته، نقلت منصات محلية عن قيادي في “أمن المقاومة” قوله إن إعدام المتهم “م. م” سيكون مقدمة لحملة أمنية واسعة، وإن الأيام المقبلة قد تشهد تنفيذ أحكام أخرى بحق أشخاص تتهمهم الأجهزة الأمنية بالتورط في تقديم معلومات للاحتلال أدت إلى عمليات قتل واغتيال داخل القطاع.
كما تحدث القيادي عن نية “أمن المقاومة” نشر تسجيلات مصورة قال إنها تتضمن اعترافات للمتهم، إلى جانب تفاصيل عن مشاركته في عمليات أدت إلى استهداف فلسطينيين. ودعا الأشخاص الذين قال إنهم تعرضوا لابتزاز من المخابرات الإسرائيلية إلى تسليم أنفسهم، معتبراً أن المبادرة إلى ذلك قد تكون “طوق نجاة” لهم قبل تصعيد الإجراءات الأمنية.
وتقول أجهزة حماس الأمنية إن الاحتلال الإسرائيلي كثف، خلال الحرب، اعتماده على شبكات محلية لجمع المعلومات ورصد تحركات قيادات المقاومة وعناصرها، مستفيداً من حالة النزوح الواسع والانهيار الإنساني والضغط المعيشي في قطاع غزة. في المقابل، تثير هذه الإعدامات تساؤلات حقوقية وقانونية بشأن طبيعة الإجراءات المتبعة، خصوصاً في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقرة بسبب الحرب وتداعياتها.
وسبق لأجهزة أمنية في غزة أن أعلنت خلال الحرب وبعدها تنفيذ أحكام بحق أشخاص اتهمتهم بالتخابر مع الاحتلال، بينهم من قالت إنهم شاركوا في تقديم معلومات ساعدت على اغتيال قيادات بارزة في كتائب القسام وفصائل أخرى. وتركز هذه الأجهزة في خطابها على أن المتهمين بالتعاون لا يمثلون عائلاتهم أو عشائرهم، في محاولة لاحتواء أي ارتدادات اجتماعية أو عائلية قد تنتج عن هذه القضايا.
ويضع هذا التطور قطاع غزة أمام مرحلة أمنية حساسة، تتقاطع فيها تداعيات الحرب مع ملفات الاختراق والاستخبارات والاغتيالات، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تنفذ عمليات استهداف متفرقة رغم وقف إطلاق النار، بينما تسعى حماس إلى إعادة ضبط الجبهة الداخلية وملاحقة ما تصفه بشبكات التعاون التي ساهمت في كشف مواقع وتحركات قياداتها.
