التاريخ الفلسطيني بين الرواية الوطنية والرواية الحزبية: هل تنتصر الحقيقة على الروايات الزائفة؟

بقلم: شريف الهركلي

شريف الهركلي.jpg

بقلم: شريف الهركلي

التاريخ ليس مجرد سردٍ لأحداث الماضي، بل هو الذاكرة الحية للشعوب والأمم، والوعاء الذي يحفظ هويتها الوطنية وتجاربها السياسية والاجتماعية. وفي الحالة الفلسطينية تزداد أهمية التاريخ، لأن كثيراً من محطاته كُتبت بدماء الشهداء وتضحيات المناضلين ومعاناة شعب ما زال يخوض معركة الوجود والرواية في آن واحد.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: من يكتب التاريخ الفلسطيني؟ وهل تُنقل الوقائع كما حدثت، أم كما تريدها الانتماءات السياسية والفكرية؟
يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية من المؤرخين. أولها المؤرخ الوطني، وهو الذي يتعامل مع التاريخ باعتباره أمانة أخلاقية ووطنية، فيوثق الأحداث بموضوعية وصدق، ويعرض النجاحات والإخفاقات بعيداً عن التحيز أو المجاملة. هذا النوع من المؤرخين يشكل صمام أمان للذاكرة الوطنية، لأنه يضع الحقيقة فوق المصالح والولاءات.
أما المؤرخ الحزبي فيقرأ الأحداث من خلال منظاره التنظيمي، فيُبرز ما يخدم رواية حزبه، ويُهمش أو يتجاوز ما يتعارض معها. وقد لا يلجأ هذا النوع إلى التزييف المباشر، لكنه يمارس الانتقائية في عرض الوقائع، الأمر الذي يؤدي مع مرور الزمن إلى بناء صورة غير مكتملة عن التاريخ، ويُدخل الأجيال في جدل الروايات المتنافسة بدلاً من البحث عن الحقيقة.
ويأتي أخيراً المؤرخ المأجور، وهو الأخطر بين الأنماط الثلاثة، لأنه يوظف التاريخ لخدمة أجندات سياسية أو إعلامية أو أيديولوجية مقابل مصالح أو مكاسب معينة. ويعتمد هذا النمط على تشويه الوقائع أو اجتزائها أو إعادة صياغتها بما يخدم الجهة التي يعمل لصالحها، ليصبح التاريخ أداة في الحرب الناعمة الهادفة إلى تشكيل الوعي وإرباك الذاكرة الجماعية.
وفي زمن تتصارع فيه الروايات السياسية والدينية والثقافية، لم تعد حماية التاريخ مسؤولية المؤرخين وحدهم، بل أصبحت مسؤولية جماعية تشمل الباحثين والكتّاب والصحفيين والأكاديميين. فالتزييف لا يبدأ دائماً من الكتب، بل قد يتسلل عبر الإعلام والمنصات الرقمية والخطابات السياسية حتى يتحول مع الوقت إلى رواية راسخة يصعب تفكيكها.
إن الأمم التي تسمح بتشويه تاريخها تفقد قدرتها على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها. ولذلك فإن الحاجة اليوم ملحّة إلى مؤرخين ينتمون إلى الحقيقة أكثر من انتمائهم إلى الأحزاب، ويؤمنون بأن التاريخ ملك للأمة كلها، لا حكراً على فصيل أو جماعة أو سلطة.
ولعل قول أمير الشعراء أحمد شوقي يلخص هذه المعادلة العميقة:
"وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا"
فإذا كانت الأخلاق أساس بقاء الأمم، فإن الصدق في كتابة التاريخ هو أساس بقاء ذاكرتها، وحماية وعيها من التزييف، وصون حق الأجيال القادمة في معرفة الحقيقة كما كانت، لا كما أراد لها الآخرون أن تكون.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت