النائب يحيى موسى... عقلٌ سياسي هادئ آمن بالشراكة الوطنية

بقلم: احمد يوسف

يحيى العبادسة.jpg

بقلم: المستشار د. أحمد يوسف
"ليست السياسة أن تنتصر لرأيك، بل أن تنتصر لوطنك؛ وأن تدرك أن الشراكة قوة، وأن الحوار طريق العقلاء إلى بناء الأوطان."
صفحات من كتابي القادم: "نبلاء وأعلام.. هكذا عرفتهم"


هناك رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بما تقلدوه من مناصب، وإنما بما يتركونه من أثرٍ في الفكر، وبما يمتلكونه من قدرة على الجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الناس. ومن هؤلاء عرفتُ النائب يحيى موسى؛ أحد أبرز العقول السياسية في حركة حماس، وصاحب رؤية آمنت بالحوار والشراكة الوطنية، ورأت في السياسة فنَّ بناء الجسور لا تعميق الهوة بين أبناء الوطن الواحد.
وُلد النائب يحيى موسى عام 1958، وتنحدر جذور عائلته من بلدة عبدس في فلسطين المحتلة، تلك البلدة التي هُجِّر أهلها مع نكبة عام 1948، شأنها شأن مئات القرى الفلسطينية التي اقتُلعت من أرضها. وفي البيئة الفلسطينية التي نشأ فيها، تشكل وعيه المبكر على معاني الهوية والانتماء، وعلى الإيمان بأن العلم والنضال والعمل العام مسارات متكاملة في خدمة الوطن والإنسان.
ومنذ سنوات شبابه الأولى، بدا واضحًا ميله إلى العمل الإسلامي والفكري، فكان من أبناء الحركة الإسلامية الذين جمعوا بين الالتزام الديني والاهتمام بالشأن العام، ورأوا أن النهضة لا تقوم إلا بالعلم والوعي والانفتاح على العصر، إلى جانب التمسك بالثوابت الوطنية.
بدأ رحلته الأكاديمية مبتعثًا إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الطب، غير أن نشاطه الإسلامي في أوساط الطلبة هناك لم يرق للسلطات السوفيتية آنذاك، فتم ترحيله قبل أن يتمكن من إكمال دراسته. ولم تكن تلك المحطة نهاية الطريق، بل بداية رحلة جديدة عنوانها الصبر والإصرار. فقد تنقل بعد ذلك بين يوغوسلافيا، وجمهورية التشيك، ومصر، باحثًا عن فرصة لمواصلة تعليمه، قبل أن يعود إلى قطاع غزة، حيث التحق بالجامعة الإسلامية، ودرس العلوم، متجاوزًا تلك المحنة بإرادةٍ قوية وإيمانٍ بأن الرسالة لا تتوقف عند عثرة، وأن الإنسان هو من يصنع مستقبله مهما اعترضت طريقه الصعاب.
وقد تركت هذه الرحلة المتنوعة أثرًا عميقًا في تكوينه الفكري والسياسي. فالاحتكاك بمجتمعات مختلفة، والعيش في بيئات ثقافية متباينة، أكسباه نظرة أوسع إلى العالم، ورسخا لديه قناعة بأن الحوار مع الآخر لا يُضعف الهوية، وإنما يعزز الثقة بها، وأن الانفتاح على التجارب الإنسانية لا يتعارض مع التمسك بالمبادئ.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يُعرف لاحقًا داخل حركة حماس بوصفه واحدًا من أبرز العقول السياسية فيها، ومن الشخصيات التي تميل إلى القراءة الهادئة للأحداث، وإلى البحث عن الحلول الواقعية التي تحفظ الثوابت الوطنية، وتراعي في الوقت ذاته تعقيدات البيئة السياسية الفلسطينية والإقليمية.
وعلى امتداد السنوات، لم يكن اهتمام النائب يحيى موسى منصبًا على العمل التنظيمي وحده، بل انشغل أيضًا بقضايا الفكر والإصلاح، وبكيفية تطوير الأداء السياسي للحركة الإسلامية بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع المتغيرات، وأكثر انفتاحًا على القوى الوطنية الفلسطينية. ومن هنا جاءت قناعته العميقة بأن الشراكة الوطنية ليست تكتيكًا سياسيًا عابرًا، وإنما خيار استراتيجي تفرضه طبيعة القضية الفلسطينية، وتقتضيه مسؤولية الحفاظ على وحدة الشعب في مواجهة الاحتلال.
ومن المحطات التي تستحق التوقف عندها، مساهمته في تأسيس حزب الخلاص ذي التوجه الإسلامي، وهي تجربة حملت في بداياتها طموحًا لتوسيع دائرة المشاركة السياسية، وإثراء الحياة الحزبية الفلسطينية برؤية إسلامية منفتحة. غير أن الخلافات التي برزت بين عدد من قيادات الحركة الإسلامية، وما رافقها من تباين في تقدير المرحلة، حالت دون تطور هذه التجربة بالصورة التي كان يأملها مؤسسوها، فتراجعت مكانة الحزب وغاب حضوره تدريجيًا عن المشهد السياسي الفلسطيني.
ومع ذلك، فإن هذه التجربة تكشف جانبًا مهمًا من شخصية النائب يحيى موسى، فهو لم يكن أسيرًا للأطر التقليدية، بل كان يؤمن بحق الاجتهاد السياسي، وبأن تعدد المبادرات لا يمثل ضعفًا، بل قد يكون دليلًا على حيوية الفكر، متى ظل منضبطًا بالمصلحة الوطنية العليا.
في الجزء الثاني سأنتقل إلى شهادتي الشخصية عن النائب يحيى موسى، ودوره في بيت الحكمة، وحضوره في الحوارات مع الوفود الأجنبية، وما عُرف به من اعتدال، وبلاغة سياسية، وقدرة على تمثيل رؤية الحركة بلغة هادئة ومقنعة.
الكتابة
ولعل ما يميز النائب يحيى موسى، في تقديري، أنه لم يكن ينظر إلى السياسة بوصفها ساحةً للصراع الدائم، وإنما باعتبارها فنًا لإدارة الاختلاف، وبحثًا مستمرًا عن القواسم المشتركة التي تحفظ وحدة الصف الوطني. ولذلك، ظل يؤمن بأن قوة أي حركة سياسية لا تقاس فقط بقدرتها على الثبات، وإنما أيضًا بقدرتها على المراجعة، والاستماع إلى الآخرين، والتكيف مع المتغيرات دون التفريط في الثوابت.
ومن خلال معرفتي به على مدى سنوات طويلة، وجدته من الشخصيات التي تمتلك قدرًا كبيرًا من المرونة الفكرية، والقدرة على الإصغاء للرأي الآخر، والإيمان العميق بأن الشراكة السياسية والتوافق الوطني هما الطريق الأقصر إلى حماية المشروع الوطني الفلسطيني، وتحقيق المصالح العليا لشعبنا. ولم يكن ينظر إلى الاختلاف مع القوى السياسية الأخرى باعتباره خصومة دائمة، بل كان يراه اختلافًا في الاجتهاد، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أحسن الجميع إدارة التنوع السياسي الفلسطيني.
ولذلك، كنت حريصًا، خلال عملي في معهد بيت الحكمة، على دعوة النائب يحيى موسى للمشاركة في العديد من الندوات الفكرية والمؤتمرات وورش الحوار التي نظمها المعهد. وكنت على يقين بأن حضوره سيضيف إلى النقاش بعدًا فكريًا وسياسيًا متزنًا، لما عُرف عنه من عمق في التحليل، وهدوء في الطرح، وبعد عن المزايدات أو الخطابات الانفعالية.
ولم تقتصر مشاركاته على الندوات المحلية، بل كنت أحرص كذلك على دعوته إلى اللقاءات التي كانت تجمعنا بالوفود الأجنبية، من دبلوماسيين، وباحثين، وممثلي مراكز الفكر، وشخصيات أكاديمية جاءت للتعرف على الواقع الفلسطيني والاستماع إلى مختلف وجهات النظر. وفي تلك اللقاءات، كان النائب يحيى موسى يقدم رؤية حركة حماس والحكومة بلغة سياسية رصينة، تجمع بين الوضوح والهدوء، وتخاطب العقل قبل العاطفة.
وقد لفت انتباهي دائمًا أسلوبه في الحوار؛ فلم يكن يندفع إلى إطلاق الأحكام أو الاكتفاء بالشعارات، وإنما كان يصغي أولًا إلى ما يطرحه الآخرون، ثم يجيب بمنطق هادئ، مستندًا إلى الوقائع، وقادرًا على تفسير مواقف الحركة في سياقها السياسي والتاريخي. وربما لهذا السبب، كان يحظى باحترام كثير من ضيوف بيت الحكمة، حتى ممن كانوا يختلفون معه في الرأي، لأنهم وجدوا أمامهم رجلًا يحاور بثقة، ويحترم عقل محاوره، ويؤمن بأن الحوار الحقيقي يبدأ بحسن الإصغاء.
ولم يكن هذا النهج وليد المصادفة، بل كان امتدادًا لتكوينه الفكري، ولتجاربه المتعددة التي صقلت شخصيته، وجعلته أكثر إدراكًا لتعقيدات القضية الفلسطينية، ولحاجة شعبنا إلى خطاب سياسي قادر على مخاطبة العالم بلغة يفهمها، دون أن يتنازل عن الحقوق أو يفرط في الثوابت.
وخلال عضويته في المجلس التشريعي الفلسطيني، برز النائب يحيى موسى بوصفه أحد الأصوات التي جمعت بين الخبرة السياسية والقدرة على النقاش الهادئ. ولم يكن حضوره البرلماني مجرد حضور شكلي، بل كان حريصًا على أن يؤدي المجلس دوره في التشريع والرقابة، وأن يبقى قريبًا من هموم المواطنين وقضاياهم، رغم الظروف الاستثنائية التي عاشها الشعب الفلسطيني بعد الحصار والانقسام.
وكان واضحًا، في كثير من مواقفه، أنه ينتمي إلى المدرسة التي ترى أن المقاومة والعمل السياسي ليسا طريقين متعارضين، وإنما مساران متكاملان، وأن نجاح أي مشروع وطني يحتاج إلى حكمة في إدارة السياسة، كما يحتاج إلى صلابة في الدفاع عن الحقوق. ومن هنا، ظل يدعو إلى توسيع دائرة الحوار الوطني، وإيجاد مساحات للتفاهم بين مختلف القوى الفلسطينية، انطلاقًا من قناعته بأن الانقسام كان، وما زال، أحد أكبر التحديات التي واجهت القضية الفلسطينية.
ومن خلال جلساتنا المتعددة، كنت ألمس فيه اهتمامًا خاصًا بتطوير الخطاب السياسي الإسلامي، بحيث يكون أكثر قدرة على استيعاب التحولات الإقليمية والدولية، وأكثر انفتاحًا على مفاهيم الدولة، والشراكة، والتعددية، والعمل المؤسسي. وكان يرى أن الحركات السياسية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تنجح إذا بقيت أسيرة خطاب جامد لا يقرأ الواقع ولا يتفاعل مع متغيراته.
ومع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، وما ترتب عليها من دمار غير مسبوق ومعاناة إنسانية هائلة، كان النائب يحيى موسى من الشخصيات التي لم تكتفِ بمتابعة الأحداث أو التعليق عليها، بل انخرط في مراجعة ما جرى، انطلاقًا من إحساس عميق بالمسؤولية الوطنية. وقد عبّر عن كثير من آرائه وملاحظاته في رسائل ومذكرات وجّهها إلى قيادة حركة حماس في الخارج، داعيًا إلى قراءة متأنية لما أفرزته الحرب من نتائج، وإلى استخلاص الدروس التي تعين على حماية المشروع الوطني الفلسطيني في المستقبل.
ولم تكن تلك المواقف تعبيرًا عن اختلاف من أجل الاختلاف، ولا عن رغبة في تسجيل المواقف، وإنما كانت امتدادًا لشخصيته التي عرفتُها منذ سنوات؛ شخصية تؤمن بأن المراجعة ليست ضعفًا، وأن النقد المسؤول أحد أهم أسباب النهوض والتطور، وأن الحركات الحية هي التي تمتلك الشجاعة لمراجعة تجاربها كلما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
وخلال سنوات الحرب، التقيت بالأخ النائب يحيى موسى في مناسبتين، وكان محور حديثنا تداعيات السابع من أكتوبر، وما أفضت إليه الحرب من تحولات سياسية وإنسانية غير مسبوقة. وتبادلنا الرأي حول ما ينبغي أن تقوم به القوى الوطنية الفلسطينية، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما أيضًا على المستوى المجتمعي والإنساني، لتعزيز صمود النازحين، وصون كرامتهم، والتخفيف من آثار المأساة التي عاشها شعبنا.
وقد وجدته، كما عهدته دائمًا، ينظر إلى المستقبل بعين المسؤولية، ويرى أن المحافظة على الإنسان الفلسطيني لا تقل أهمية عن المحافظة على الثوابت الوطنية، وأن صمود المجتمع هو الركيزة الأساسية لأي مشروع تحرري، وأن إعادة بناء الثقة بين مكونات الساحة الفلسطينية تمثل أولوية لا تقل أهمية عن إعادة إعمار الحجر.
وحين بدأت تتبلور فكرة الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية (صمود)، كان النائب يحيى موسى من بين الشخصيات التي شاركت في اللقاءات التأسيسية، وأسهمت بأفكار ورؤى تعكس خبرته السياسية وحرصه على المصلحة الوطنية. وأذكر على وجه الخصوص الاجتماع الذي عقد في الكلية الجامعية، وضم نخبة من الشخصيات الوطنية المؤسسة للهيئة، حيث قدم جملة من المقترحات العملية بشأن أولويات المرحلة، وسبل تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، والمحافظة على وحدته، وتفعيل دور النخب الفكرية والسياسية في مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب.
وكان واضحًا في مداخلاته أن همه الأول هو الإنسان الفلسطيني، وأن أي مشروع سياسي يفقد قيمته إذا لم يكن في خدمة هذا الإنسان، وصون كرامته، والدفاع عن حقوقه، وتعزيز وحدته الوطنية.
ومن الصفات التي لمستها فيه طوال سنوات معرفتي به، أنه لا يسمح للخلاف السياسي بأن يفسد العلاقة الإنسانية. فقد ظل منفتحًا على الجميع، يحترم الرأي المخالف، ويؤمن بأن الحوار الصادق قادر على تضييق مساحات الخلاف، وأن فلسطين أكبر من أن يحتكرها فصيل، أو يستأثر بها تيار، أو يختزلها اجتهاد واحد.
ولعل هذه الروح هي التي جعلته يحظى باحترام كثيرين، داخل حركة حماس وخارجها، لأنه لم يكن يتحدث بعقلية الإقصاء، وإنما بعقلية الشراكة، ولم يكن يرى في الاختلاف تهديدًا، بل فرصةً لإغناء التجربة الوطنية، وتصويب المسار كلما دعت الحاجة.
لقد عرفتُ النائب يحيى موسى مفكرًا قبل أن أعرفه نائبًا، ومحاورًا قبل أن أعرفه سياسيًا. ورأيته في مختلف المحطات رجلًا يقدم الفكرة على الضجيج، والحكمة على الانفعال، والمصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. ولذلك، كنت دائمًا أجد في حضوره قيمة مضافة لأي حوار أو لقاء أو ندوة، لما يمتلكه من ثقافة واسعة، وتحليل عميق، وقدرة على عرض أفكاره بلغة هادئة ومقنعة.
وقد يكون من الإنصاف القول إن النائب يحيى موسى يمثل أحد الوجوه التي عكست حضور المدرسة السياسية داخل حركة حماس؛ المدرسة التي آمنت بأن الثبات على المبادئ لا يتناقض مع المرونة في الوسائل، وأن الانفتاح على الآخرين لا يعني التفريط بالثوابت، وأن بناء الشراكات الوطنية هو السبيل الأجدى لحماية القضية الفلسطينية في مواجهة ما تتعرض له من تحديات ومخاطر.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات المرتفعة، بقي يحيى موسى من الذين آمنوا بأن الكلمة الهادئة قد تكون أبلغ أثرًا، وأن الحوار الصادق أقرب إلى بناء الأوطان من لغة التخوين والإقصاء.
وأنا، إذ أكتب هذه السطور، لا أكتب عن نائب في المجلس التشريعي فحسب، وإنما عن صديق عزيز، ورجل فكر، وشخصية وطنية يعتز الإنسان بمعرفتها، لما عرفه فيها من دماثة الخلق، وسعة الأفق، وصدق الانتماء، وإيمان عميق بأن فلسطين ستظل أكبر من خلافات أبنائها، وأن مستقبلها لا يُبنى إلا بالشراكة، والحوار، ووحدة الصف الوطني.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت