واشنطن تحذر إسرائيل: عنف المستوطنين يهدد الدعم الأميركي و«فوضى سوكوت» تفجّر أزمة في الضفة

نتنياهو وساعر يهاجمان سوكوت بعد هدم نصب في الضفة.webp

تتسع داخل إسرائيل دائرة التحذيرات من التداعيات الأمنية والسياسية والدبلوماسية لتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، بعدما انضم مسؤولون ومستشارون أميركيون إلى أصوات داخل المؤسسة العسكرية والخارجية الإسرائيلية تحذر من أن استمرار الظاهرة قد يتحول إلى عبء مباشر على علاقة إسرائيل بواشنطن ومكانتها الدولية.

وذكرت القناة 12 الإسرائيلية N12، مساء الثلاثاء 25 آب/أغسطس، أن بعثة أميركية تضم مستشارين وموظفين وفرقًا مهنية مرتبطة بمسؤولين كبار وأعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب، طرحت ملف ما تسميه الأجهزة الإسرائيلية بـ"الجريمة القومية" بصورة متكررة خلال لقاءاتها مع مسؤولين إسرائيليين، ووجهت رسالة مفادها: "لا تتعاملوا مع دعمنا كأمر مفروغ منه".

وبحسب التقرير، أعرب أعضاء في البعثة عن استياء شديد من الاعتداءات على الفلسطينيين وأعمال التخريب والنهب، محذرين من أن مشاهد العنف الصادرة عن مستوطنين متطرفين تجعل الدفاع السياسي عن إسرائيل أكثر صعوبة في الولايات المتحدة، وقد تنعكس لاحقًا على مستوى الدعم الذي تحظى به في واشنطن.

وتكتسب التحذيرات الأميركية أهمية إضافية في ضوء تحذيرات سابقة أطلقها السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، الذي قال في آذار/مارس الماضي إن إسرائيل بدأت "تفقد أصدقاء" بسبب أعمال العنف التي ينفذها متطرفون من المستوطنين، مشيرًا إلى أن تلك الاعتداءات تُبعد شخصيات في واشنطن ترغب أصلًا في الاستمرار بدعم إسرائيل.

«مسمار في نعش الشرعية»

وجاء التصعيد الأميركي بالتزامن مع تحذيرات أكثر حدة صدرت الثلاثاء من داخل وزارة الخارجية الإسرائيلية نفسها. ونقلت Ynet عن مسؤولين في الوزارة قولهم إن واقعة عضو الكنيست تسفي سوكوت في قرية مادما جنوب نابلس تمثل "مسمارًا في نعش الشرعية الإسرائيلية في الضفة الغربية"، محذرين من أن مثل هذه الأحداث تعيد ملف عنف المستوطنين إلى صدارة النقاش الدولي وتزيد الضغوط المطالبة باتخاذ إجراءات ضد المتورطين فيه.

وتفجرت الأزمة بعدما دخل سوكوت، وهو عضو كنيست عن حزب "الصهيونية الدينية" ورئيس لجنة التعليم في الكنيست، قرية مادما خلال جولة جرى تنسيقها أمنيًا، ثم ظهر وهو يحمل مطرقة ويحطم نصبًا تذكاريًا قال إنه يخلد فلسطينيين نفذوا هجمات ضد إسرائيليين. وأكد الجيش أن دخول سوكوت كان منسقًا، لكن هدم النصب لم يكن جزءًا من التنسيق.

وفي رد نادر بحدته على عضو في الائتلاف الحاكم، قال الجيش الإسرائيلي إن المشاركين في الجولة تصرفوا "بصورة كاذبة وتلاعبية"، ومن دون صلاحية وبخلاف الخطة التي أُقرت، مؤكدًا أن قوات كانت مخصصة لمهمات عملياتية جرى تحويلها لحماية الجولة وتعريضها للخطر دون حاجة، في وقت يعاني فيه الجيش أصلًا من ضغط عملياتي مرتفع.

نتنياهو يتبرأ من «أخذ القانون باليد»

ودفع حجم الانتقادات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إصدار بيان، من دون تسمية سوكوت مباشرة، أكد فيه أن الجيش الإسرائيلي هو الجهة صاحبة الصلاحية الميدانية في الضفة والمسؤولة عن تنفيذ قرارات المستوى السياسي.

وقال نتنياهو إن "أخذ القانون باليد، وخصوصًا من قبل شخصيات عامة، أمر مرفوض"، مضيفًا أن مثل هذه التصرفات تعيق الجيش عن التركيز على مهماته الأمنية. كما انتقد وزير الخارجية جدعون ساعر سوكوت، مؤكدًا أن أعضاء الكنيست ليسوا أصحاب سلطة تنفيذية في الضفة وأن القرارات يجب أن تنفذها الدولة وأجهزتها الأمنية وحدها.

وحتى داخل حزب "الصهيونية الدينية"، أثار سلوك سوكوت اعتراضات. ونقلت N12 عن رئيس كتلة الحزب أوهاد تال تساؤله داخليًا عما إذا كانت الخطوة جزءًا من استراتيجية انتخابية أم أنها تقود الحزب إلى "انتحار سياسي". أما زعيم الحزب بتسلئيل سموتريتش، فدافع عن ضرورة إزالة النصب التي يعتبرها تمجد منفذي هجمات، لكنه شدد على أن تنفيذ ذلك يجب أن يتم بواسطة الجيش وحده وطلب من سوكوت عدم تكرار التصرف بصورة مستقلة.

الجيش يحذر: الضفة فوق «جمر مشتعل»

ويتجاوز القلق الإسرائيلي حادثة سوكوت نفسها. فقد حذر قائد المنطقة الوسطى في الجيش، اللواء آفي بلوط، خلال تقييم أمني عقده نتنياهو الاثنين 24 آب/أغسطس، من أن ما يسمى في المصطلحات الأمنية الإسرائيلية بـ"الجريمة القومية" قد تتحول إلى "عود الثقاب الذي يشعل كل شيء" في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن التعامل مع اعتداءات المستوطنين يحوّل اهتمام الجيش وقواته عن مهام أمنية أخرى.

وحضر التقييم الأمني إلى جانب نتنياهو كل من وزير الأمن إسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير، ورئيس مجلس الأمن القومي، وقائد المنطقة الوسطى ومسؤولون كبار في الاستخبارات والعمليات والقيادة العسكرية في الضفة. وجاء الاجتماع وسط تقديرات إسرائيلية بارتفاع احتمالات التدهور الميداني في المنطقة.

ونقلت Ynet عن مسؤول أمني وصفه الوضع في الضفة بأنه أشبه بـ"جمر تحت الرماد"، محذرًا من إمكانية اشتعاله في أي وقت. وأفادت الصحيفة بأن الجيش ينشر نحو 24 كتيبة في الضفة، وسط تعدد المهام الأمنية وضغوط متزايدة على القوة البشرية.

وفي مؤشر على حجم العبء العملياتي، أعلن الجيش الاثنين انتهاء مهمة لواء المظليين في قطاع غزة بعد ثلاثة أشهر من العمليات ونقله إلى الضفة الغربية للقيام بمهام هناك، في توقيت يتزامن مع تصاعد التوتر والتحذيرات من اتساع دائرة المواجهة.

من أزمة أمنية إلى كلفة سياسية ودولية

وتحولت واقعة مادما سريعًا إلى مادة للهجوم السياسي الداخلي. فقد اتهم غادي آيزنكوت سوكوت بتضليل الجيش والإضرار بأمن إسرائيل وصورتها، فيما قال نفتالي بينيت إن تحويل الجنود عن مهماتهم من أجل "فيديوهات انتخابية" يعكس حالة من الفوضى السياسية، بينما اتهم يائير غولان الائتلاف الحاكم بالسماح للمتطرفين بجر المنطقة نحو مزيد من التصعيد.

لكن التطور الأكثر حساسية بالنسبة إلى حكومة نتنياهو لا يتمثل في الانتقادات الداخلية بقدر ما يكمن في انتقال الملف إلى واشنطن. فبعدما ظلت إسرائيل تتعامل مع عنف المستوطنين باعتباره مشكلة أمنية داخلية محدودة، تكشف التقارير العبرية الأخيرة أن القضية باتت تُقرأ أميركيًا باعتبارها عاملًا يمكن أن يمس قدرة حلفاء إسرائيل على الدفاع عنها سياسيًا، ويغذي الدعوات إلى ممارسة ضغوط أو فرض قيود على المتورطين في الاعتداءات.

وبذلك، لم تعد اعتداءات المستوطنين بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مجرد ملف يتعلق بالنظام العام في الضفة؛ بل باتت، وفق التحذيرات الصادرة من الجيش والخارجية وواشنطن، عامل استنزاف أمني وعبئًا دبلوماسيًا يهدد بمضاعفة الكلفة التي تدفعها إسرائيل دوليًا، في وقت تواجه فيه قواتها ضغطًا متزايدًا على عدة جبهات.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الضفة الغربية