بقلم: د. نبيل كوكالي
مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)
قراءة تحليلية في انتقال أسعار الدولار الأميركي والدينار الأردني واليورو بين السوق الإسرائيلية والبنوك وأسواق الصرف المحلية خلال الفترة 13–21 آب/أغسطس 2026
الملخص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل كيفية تشكّل حركة سعر صرف الشيكل وانتقالها بين ثلاث طبقات مترابطة: السوق الإسرائيلية، والنظام المصرفي الإسرائيلي، وأسواق الصرف النقدي في القدس الشرقية والضفة الغربية. وتركز بصورة خاصة على تحديد أين يظهر الاتجاه الأساسي للسعر، وكيف يتحول السعر المرجعي إلى سعر مصرفي قابل للتنفيذ، ثم إلى السعر النقدي الذي يواجهه المواطن، وما إذا كانت القدس الشرقية تمثل حلقة وسيطة تقود انتقال الحركة إلى الضفة الغربية، أم أن السوقين المحليتين تستجيبان بصورة متقاربة إلى إشارة سعرية مشتركة.
تعتمد الدراسة على رصد وصفي تحليلي يومي لأسعار الدولار الأميركي والدينار الأردني واليورو مقابل الشيكل خلال الفترة من 13 إلى 21 آب/أغسطس 2026. وقد قام المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) برصد أسعار الشراء والبيع في القدس الشرقية والضفة الغربية، بالتوازي مع متابعة السعر التمثيلي لبنك إسرائيل والأسعار المتاحة لدى عدد من البنوك الإسرائيلية، من بينها بنك هبوعليم، وبنك مزراحي–تفحوت، وبنك القدس الإسرائيلي (Bank of Jerusalem)، كلما كانت البيانات القابلة للتحقق متاحة. واستخدمت الدراسة منتصف سعر الشراء والبيع لقياس مركز نطاق التسعير، وهامش الشراء والبيع للمساعدة في قراءة تكلفة التنفيذ والسيولة والمخاطر.
وتشير النتائج إلى أن السوق الإسرائيلية كانت خلال فترة الرصد المصدر الأكثر ترجيحًا للاتجاه الأساسي لحركة الشيكل، وأن السعر التمثيلي لبنك إسرائيل وفر المرجع الأوضح لهذا الاتجاه، بينما أظهرت أسعار البنوك الإسرائيلية المرحلة التي ينتقل فيها السعر من المرجع إلى أسعار معاملات قابلة للتنفيذ. وبعد ذلك ظهرت الحركة العامة نفسها في القدس الشرقية والضفة الغربية. وفي الوقت نفسه، أظهرت السوقان المحليتان درجة مرتفعة من التقارب في مركز السعر، وصلت إلى التطابق في بعض المشاهدات، بينما ظهرت الفروق بصورة أكثر انتظامًا في هوامش الشراء والبيع وتكلفة التنفيذ النقدي.
ولا تقدم البيانات دليلًا كافيًا على وجود مسار خطي ثابت من السوق الإسرائيلية إلى القدس الشرقية ثم إلى الضفة الغربية. والأقرب إلى المشاهدات أن القدس والضفة تستجيبان بدرجة متقاربة أو شبه متوازية إلى بيئة سعرية مشتركة ترتبط أساسًا بالسوق الإسرائيلية والنظام المصرفي الإسرائيلي، مع احتفاظ كل سوق بخصائصها المحلية المتعلقة بالسيولة وتوافر النقد وهوامش التنفيذ. ونظرًا إلى قصر فترة الرصد وعدم التزامن الكامل بين جميع المشاهدات، ينبغي تفسير النتائج بوصفها أدلة وصفية استكشافية وليست إثباتًا لسببية إحصائية أو لفترة تأخر زمني ثابتة.
الكلمات المفتاحية: سعر الصرف، الشيكل، بنك إسرائيل، البنوك الإسرائيلية، القدس الشرقية، الضفة الغربية، البنية الدقيقة لسوق الصرف، السيولة، هامش الشراء والبيع، علاوة التنفيذ النقدي.
من سعر واحد ظاهريًا إلى سوق متعددة الطبقات
عندما يسأل المواطن عن سعر الدولار أو الدينار الأردني أو اليورو مقابل الشيكل، يبدو السؤال بسيطًا: ما سعر اليوم؟ لكن السوق في الواقع لا تقدم رقمًا واحدًا فقط. فهناك السعر التمثيلي الذي ينشره بنك إسرائيل، وهناك أسعار الشراء والبيع لدى البنوك التجارية الإسرائيلية، ثم أسعار التنفيذ النقدي لدى صرافي القدس الشرقية والضفة الغربية، إلى جانب مؤشرات فلسطينية مرجعية، مثل الأسعار التي تنشرها سلطة النقد الفلسطينية وغرفة تجارة وصناعة نابلس.
ولا يعني تعدد هذه الأسعار أن الدولار أو الدينار أو اليورو يمتلك قيمة اقتصادية مختلفة كليًا في كل سوق. بل يعكس وجود طبقات متتالية في تكوين السعر وتنفيذه: سعر مرجعي يعكس اتجاه السوق، ثم سعر مصرفي قابل للتنفيذ، ثم سعر نقدي فعلي يتأثر بالسيولة، والعرض والطلب، وتوافر الأوراق النقدية، والمخاطر وتكاليف التشغيل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث يستخدم الشيكل على نطاق واسع في النشاط الاقتصادي، في ظل غياب عملة وطنية وسياسة نقدية مستقلة بالمعنى التقليدي. ولذلك لا يمكن فهم حركة سعر الصرف في السوق الفلسطينية بمعزل عن السوق الإسرائيلية والنظام المصرفي الإسرائيلي.
ومن هنا لم يكن هدف الرصد معرفة أين يباع الدولار بأغورة أو أغورتين أكثر، بل الإجابة عن سؤال أوسع: أين يتشكل اتجاه السعر أولًا، وكيف ينتقل من المرجع إلى البنك، ثم إلى السوق النقدية؟ وهل تمر الإشارة عبر القدس قبل وصولها إلى الضفة، أم أن السوقين تستجيبان بصورة متقاربة إلى المصدر نفسه؟
كيف يتكوّن سعر الصرف فعلًا؟ ما تقوله الأدبيات
بحسب فرانكل وغالي وجيوفانيني في كتابهم "البنية الدقيقة لأسواق الصرف الأجنبي" (1996)، لا تكفي المتغيرات الاقتصادية الكلية مثل أسعار الفائدة والتضخم والتجارة الخارجية وحدها لتفسير التحركات القصيرة الأجل في أسعار الصرف. فالسعر يتأثر أيضًا ببنية السوق نفسها، وبالسيولة، وسلوك المتعاملين، وتدفقات الأوامر، وهوامش الشراء والبيع، والمعلومات، وآليات تنفيذ الصفقات. ومن هذا المنظور يصبح السؤال ليس فقط: «كم تساوي العملة؟»، وإنما أيضًا: كيف يتكوّن السعر الذي يواجهه المتعامل داخل السوق؟
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى هامش الشراء والبيع باعتباره مجرد ربح للصراف أو البنك. فهذا الهامش قد يعكس تكلفة توفير السيولة، ومخاطر الاحتفاظ بالعملة، واحتمال تغير السعر قبل إعادة موازنة المركز النقدي، وتكلفة تنفيذ المعاملة. ولذلك فإن الفجوة بين السعر المرجعي والسعر النقدي لا تعني بالضرورة وجود قيمتين مختلفتين للعملة، بل قد تعكس اختلافًا في تكلفة تنفيذها.
ووفقًا لبنك إسرائيل في «الشروح الخاصة بأسعار الصرف التمثيلية»، فإن السعر التمثيلي يعكس السعر السائد في سوق الصرف، لكنه لا يمثل بالضرورة السعر الذي تُنفذ عنده المعاملة الفعلية. كما يمكن أن تختلف عنه أسعار التحويلات والشيكات والنقد. وهذا التمييز أساسي لهذه الدراسة: السعر المرجعي ليس هو سعر التنفيذ.
كما يوضح نموذج غولان الصادر عن بنك إسرائيل عام 2006 حول سوق الشيكل والعملات الأجنبية أن سعر الصرف يتشكل من تفاعل العرض والطلب لدى عدد من القطاعات، تشمل غير المقيمين، والأسر، وقطاع الأعمال، والنظام المصرفي. ومن ثم، فإن البنوك ليست جهة تنقل رقمًا جاهزًا فحسب، بل جزء من السوق التي يتكون فيها السعر.
وهذا يقود مباشرة إلى الفكرة المركزية في الدراسة: إذا كان بنك إسرائيل يعكس الاتجاه المرجعي، فإن البنوك التجارية الإسرائيلية تكشف كيف يتحول هذا الاتجاه إلى أسعار قابلة للتنفيذ، ثم تبيّن أسواق الصرف المحلية كيف تتحول هذه الأسعار إلى نقد متاح فعليًا.
أين تقع الفجوة التي تحاول الدراسة تفسيرها؟
تفسر الأدبيات بصورة جيدة نسبيًا كيفية تكوّن سعر الشيكل داخل السوق الإسرائيلية، ودور البنوك والسيولة والمتعاملين في ذلك. لكن الجانب الأقل وضوحًا هو ما يحدث عندما تنتقل هذه الإشارة إلى القدس الشرقية والضفة الغربية.
وفي حدود ما تم الرجوع إليه، لا تقدم الأدبيات اختبارًا مباشرًا لمسار:
السوق الإسرائيلية → القدس الشرقية → الضفة الغربية.
ولا تجيب بصورة حاسمة عن سؤال ما إذا كانت القدس سوقًا وسيطة تقود الضفة، أم أن السوقين تستجيبان بصورة شبه متوازية إلى المصدر السعري نفسه.
وتأتي مساهمة هذه الدراسة من أنها تجمع في إطار واحد بين بنك إسرائيل، والبنوك التجارية الإسرائيلية، وصرافي القدس الشرقية، وصرافي الضفة الغربية، وتتبع ثلاث عملات رئيسية خلال الفترة نفسها. وهي لا تدعي بناء نموذج سببي نهائي، وإنما تقدم اختبارًا ميدانيًا استكشافيًا لفرضيتين: انتقال السعر عبر القدس، أو استجابة السوقين المحليتين بصورة متقاربة إلى السوق الإسرائيلية والنظام المصرفي الإسرائيلي.
آلية الرصد: من بنك إسرائيل إلى البنك ثم إلى الصراف
بُنيت منهجية الدراسة على ثلاث طبقات. بدأت الطبقة الأولى من السعر التمثيلي لبنك إسرائيل باعتباره المرجع الذي يكشف الاتجاه العام لحركة الشيكل. ثم انتقلت الدراسة إلى الطبقة الثانية، وهي أسعار التنفيذ في البنوك الإسرائيلية، ولا سيما بنك هبوعليم، وبنك مزراحي–تفحوت، وبنك القدس الإسرائيلي، كلما أمكن الحصول على بيانات موثقة. أما الطبقة الثالثة فكانت أسعار التنفيذ النقدي لدى الصرافين في القدس الشرقية والضفة الغربية.
ولم يكن الهدف افتراض أن صراف القدس أو الضفة يأخذ سعر بنك إسرائيلي محدد ويضيف إليه هامشًا ثابتًا؛ فالسوق أكثر تعقيدًا من ذلك. الهدف كان معرفة ما إذا كان التحول من السعر المرجعي إلى السعر النهائي يبدأ قبل الوصول إلى السوق المحلية، أي داخل النظام المصرفي الإسرائيلي نفسه.
وقد أظهر الرصد أن البنوك الإسرائيلية لا تتعامل مع سعر واحد لجميع أنواع العمليات. فأسعار التحويلات والشيكات والمعاملات غير النقدية تختلف عن أسعار شراء وبيع النقد. وفي عدد من المشاهدات كان منتصف التعاملات غير النقدية قريبًا جدًا من السعر التمثيلي لبنك إسرائيل، في حين كان نطاق التعامل النقدي أوسع.
ولأغراض المقارنة بين الأسواق، استخدمت الدراسة مقياسين. الأول هو منتصف السعر:
منتصف السعر = (سعر الشراء + سعر البيع) ÷ 2
ويستخدم هنا كأداة تحليلية لتحديد مركز نطاق التسعير، وليس كسعر صفقة فعلية.
أما الثاني فهو:
هامش الشراء والبيع = سعر البيع – سعر الشراء
ويستخدم للمساعدة في قراءة تكلفة التنفيذ والسيولة والمخاطر.
وبهذا أصبح من الممكن فصل سؤالين يختلطان كثيرًا في النقاش العام: ما القيمة المركزية التي تتحرك حولها العملة؟ وكم يكلف الحصول عليها نقدًا؟
النتائج: بنك إسرائيل أولًا، ثم البنوك، ثم السوق النقدية
عندما قوي الشيكل: أول اختبار لمسار انتقال السعر
قدمت الفترة بين 13 و15 آب أول اختبار واضح. ففي 14 آب بلغ السعر التمثيلي لبنك إسرائيل نحو 2.954 شيكل للدولار، و4.1663 شيكل للدينار، و3.4120 شيكل لليورو. وكانت الإشارة واضحة: الشيكل كان يقوى أمام العملات الثلاث.
لكن أهمية هذه الحركة لا تقف عند السعر التمثيلي. فقد أظهرت متابعة البنوك الإسرائيلية أن الأسعار المصرفية تحركت ضمن الاتجاه نفسه، وأن الأسعار غير النقدية بقيت أقرب إلى المرجع، بينما اتسعت هوامش النقد. وهذا يعني أن التحول من «السعر المرجعي» إلى «سعر التنفيذ» يبدأ جزئيًا داخل النظام المصرفي الإسرائيلي.
وظهرت هذه العلاقة بصورة أكثر وضوحًا في 18 آب؛ فعندما بلغ السعر التمثيلي للدولار نحو 2.986 شيكل، كان منتصف بعض أسعار التعاملات المصرفية غير النقدية التي تمت متابعتها قريبًا من 2.992 شيكل، بينما كان نطاق شراء وبيع النقد أوسع. وهذا يشير إلى أن البنوك تمثل حلقة انتقال فعلية بين السعر المرجعي والسعر النقدي.
ثم ظهرت الحركة نفسها في القدس والضفة. ففي القدس الشرقية انخفض منتصف الدولار من 3.045 شيكل في 13 آب إلى 3.015 شيكل في 15 آب، وانخفض منتصف الدينار من 4.370 إلى 4.350، واليورو من 3.495 إلى 3.460. وفي الضفة الغربية انخفض منتصف الدولار من 3.040 شيكل في 13 آب إلى 3.010 شيكل في 15–16 آب، كما تحرك الدينار واليورو في الاتجاه نفسه.
وهكذا تقدم المرحلة الأولى سلسلة منطقية واضحة:
قوة الشيكل ظهرت في بنك إسرائيل → انعكست في البيئة السعرية للبنوك الإسرائيلية → ظهرت في القدس الشرقية والضفة الغربية.
لكن هذه السلسلة تبقى وصفية؛ فهي لا تثبت بالدقة الزمنية أن كل حركة حدثت أولًا في إسرائيل ثم انتقلت بعد ساعات محددة إلى الأسواق المحلية.
عندما ضعف الشيكل: اختبار ثانٍ للنتيجة
قوة الرصد أنه لم يشمل اتجاهًا واحدًا فقط. ففي 18 آب بدأ الاتجاه ينعكس، وارتفع السعر التمثيلي للدولار إلى 2.986 شيكل، والدينار إلى 4.2121 شيكل، واليورو إلى 3.4568 شيكل، أي إن الشيكل بدأ يضعف مجددًا.
ومرة أخرى تحركت الأسعار المصرفية الإسرائيلية في الاتجاه نفسه، ثم ظهرت الحركة في أسواق النقد المحلية. وبحلول 20 آب ارتفع منتصف الدولار في القدس من 3.015 إلى 3.025 شيكل، وفي الضفة من 3.015 إلى 3.030 شيكل، كما ارتفع الدينار واليورو.
وهكذا ظهر النمط في الاتجاهين:
عندما قوي الشيكل، انخفضت أسعار العملات محليًا؛ وعندما ضعف، ارتفعت.
وهذه الملاحظة أهم من التطابق في يوم واحد، لأنها تشير إلى تكرار العلاقة عند تغير الاتجاه نفسه.
ماذا أضافت نهاية الفترة؟
في 20 آب ارتفع الدولار وفق بنك إسرائيل من 2.9850 إلى 2.9920 شيكل، أي بنحو 0.235%، بينما ارتفع اليورو من 3.4660 إلى 3.4965 شيكل، أي بنحو 0.88%.
وكانت حركة اليورو لافتة لأنها كانت أكبر من حركة الدولار، ما وفر اختبارًا إضافيًا لانتقال الإشارة السعرية.
وفي 21 آب رصد المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي في الضفة الغربية الدولار عند 3.03 شراء و3.05 بيع، بمنتصف 3.040 شيكل، والدينار عند 4.35–4.38، بمنتصف 4.365 شيكل، واليورو عند 3.50–3.54، بمنتصف 3.520 شيكل.
وتنسجم هذه الأسعار من حيث الاتجاه مع الارتفاع الذي ظهر في السوق الإسرائيلية. لكن عدم توافر قراءة متزامنة مكتملة للقدس في 21 آب يعني أن اليوم الأخير لا يصلح وحده لإثبات أي السوقين المحليتين تحركت أولًا.
القدس والضفة: التقارب في مركز السعر أقوى من الاختلاف
عند الانتقال إلى المقارنة بين السوقين المحليتين، ظهرت إحدى أهم نتائج الدراسة.
ففي 15 آب بلغ منتصف الدولار 3.015 شيكل في القدس مقابل 3.010 في الضفة، بفارق نصف أغورة فقط.
وفي 17 آب أصبح منتصف الدولار 3.015 شيكل في السوقين معًا، كما بلغ منتصف الدينار 4.350 شيكل في القدس والضفة معًا.
وهذا التقارب لا ينسجم بسهولة مع فرضية أن القدس تحدد سعرًا مستقلًا ثم تنقله إلى الضفة. فلو كانت القدس تقود الضفة بصورة منتظمة، لكان من المتوقع أن نرى سبقًا زمنيًا متكررًا في مركز السعر أو فروقًا أكثر استقرارًا بين السوقين.
لكن النمط الأكثر وضوحًا ظهر في هامش الشراء والبيع. ففي 17 آب كان هامش الدولار 5 أغورات في القدس مقابل 3 أغورات في الضفة، وهامش الدينار 6 أغورات مقابل 4 أغورات.
أي أن السوقين كانتا تتحركان حول مركز سعري متقارب جدًا، لكن ضمن تكاليف تنفيذ مختلفة.
وتكرر التقارب في 20 آب؛ إذ بلغ منتصف الدولار 3.025 شيكل في القدس مقابل 3.030 في الضفة، وبلغ منتصف اليورو 3.515 في القدس مقابل 3.510 في الضفة.
وهذا يعني أن ارتفاع سعر البيع في القدس لا ينبغي تفسيره تلقائيًا بأن العملة "أغلى" هناك، بل قد يعكس هامش تنفيذ نقدي أوسع.
هل تمر الإشارة عبر القدس؟
عند جمع النتائج، لا تقدم البيانات دعمًا قويًا لمسار:
إسرائيل → القدس → الضفة.
بل يبدو النموذج الأقرب إلى المشاهدات هو:
السوق الإسرائيلية وبنك إسرائيل
→ النظام المصرفي الإسرائيلي
→ استجابة متقاربة في القدس الشرقية والضفة الغربية.
ولا يعني ذلك أن صرافي القدس والضفة لا يتابعون بعضهم بعضًا، أو أنه لا توجد روابط تجارة وسيولة بين السوقين. لكنه يعني أن القدس لا تظهر في البيانات بوصفها حلقة وسيطة إلزامية يجب أن تمر عبرها إشارة السعر قبل وصولها إلى الضفة.
وهنا تظهر أهمية البنوك الإسرائيلية في إعادة تفسير السؤال. فالمسار ليس مجرد انتقال جغرافي من إسرائيل إلى القدس ثم إلى الضفة، بل هو انتقال مؤسسي أيضًا: من السعر المرجعي في السوق الإسرائيلية إلى سعر التنفيذ داخل النظام المصرفي، ثم إلى أسواق النقد المحلية.
من السعر المرجعي إلى النقد في اليد: علاوة التنفيذ النقدي
ساعدت المقارنة مع بيانات سلطة النقد الفلسطينية وغرفة تجارة وصناعة نابلس على كشف طبقة أخرى. ففي 17 آب بلغ منتصف الدولار لدى سلطة النقد 2.9586 شيكل، وبلغ آخر سعر لدى غرفة تجارة وصناعة نابلس 2.9650 شيكل، بينما بلغ منتصف السعر النقدي لدى صرافي القدس والضفة نحو 3.015 شيكل.
وهذا يشير إلى أن الفجوة الأهم لا تقع بالضرورة بين المؤشرات المرجعية نفسها، بل بين السعر المالي أو المؤسسي وسعر الحصول الفعلي على النقد.
ويمكن وصف هذه الفجوة بـ "علاوة التنفيذ النقدي"، أي التكلفة الإضافية التي تظهر عند الانتقال من السعر المرجعي إلى عملة ورقية متاحة فعليًا. ولا ينبغي النظر إليها كرقم ثابت؛ فهي قد تتغير تبعًا للسيولة، والعرض والطلب، والتقلبات، وتوافر النقد، والمخاطر.
وهذا التفسير يتسق مع أدبيات البنية الدقيقة لسوق الصرف، التي ترى أن جزءًا من هامش السعر يعكس تكلفة السيولة والتنفيذ والمخاطر، وليس اختلافًا في القيمة الأساسية للعملة فقط.
لماذا كان الدينار الأردني أكثر اختلافًا؟
يقدم الدينار الأردني المثال الأكثر وضوحًا على هذه الفجوة. ففي 17 آب بلغ منتصف الدينار لدى سلطة النقد نحو 4.1729 شيكل، بينما بلغ منتصف السعر النقدي في القدس والضفة نحو 4.350 شيكل، أي بفارق يقارب 17.7 أغورة.
وهذه الفجوة أكبر من تلك التي ظهرت في الدولار. ولا تسمح فترة الرصد القصيرة بإثبات أسبابها بصورة قاطعة، لكن من المعقول تحليليًا أن تتداخل فيها عوامل مثل توافر أوراق الدينار، والطلب المرتبط بالسفر والتجارة مع الأردن، وحركة المعابر، والتحويلات، والسيولة المحلية، وتفضيلات الاحتفاظ بالعملة.
ويكشف الدينار بذلك الفرق بين سؤالين مختلفين:
كم تساوي العملة ماليًا؟ وكم يكلف الحصول عليها نقدًا؟
ماذا تستطيع الدراسة أن تقول، وماذا لا تستطيع؟
تسمح فترة الرصد باستخلاص ثلاثة استنتاجات أساسية.
أولًا، السوق الإسرائيلية هي المصدر الأكثر ترجيحًا للاتجاه العام لحركة الشيكل خلال فترة الرصد، ويعكس بنك إسرائيل هذا الاتجاه من خلال السعر التمثيلي.
ثانيًا، تؤدي البنوك الإسرائيلية التجارية دورًا مهمًا في الانتقال من السعر المرجعي إلى سعر التنفيذ، ويظهر ذلك في اختلاف أسعار التحويلات والشيكات والتعامل النقدي وفي اتساع الهوامش عند الانتقال إلى النقد.
ثالثًا، تستجيب القدس الشرقية والضفة الغربية بدرجة عالية من التقارب، ولا تقدم البيانات دليلًا كافيًا على أن القدس تقود الضفة بصورة منتظمة؛ بينما يظهر الاختلاف بين السوقين بصورة أكبر في تكاليف التنفيذ والسيولة والهوامش.
لكن هذه النتائج تخضع لقيود منهجية. ففترة الرصد قصيرة، ولم تُجمع جميع الأسعار في الساعة نفسها، كما يمكن لعطلات نهاية الأسبوع واختلاف ساعات عمل البنوك والصرافين أن تؤثر في توقيت إعادة التسعير. ولا تتوافر أيضًا بيانات يومية كاملة عن أحجام التداول أو مخزون العملات لدى الصرافين.
لذلك لا تسمح البيانات بتحديد مدة تأخر ثابتة بين السوق الإسرائيلية والأسواق المحلية، ولا بإثبات السببية الإحصائية بالمعنى الصارم. وينبغي فهم النتائج باعتبارها نمطًا وصفيًا تحليليًا واستكشافيًا خلال فترة الرصد.
الخلاصة: شيكل واحد، لكن السعر يمر عبر أكثر من طبقة
بدأت الدراسة بسؤال يبدو بسيطًا: من يقود حركة سعر الصرف في إسرائيل والقدس الشرقية والضفة الغربية؟
لكن ما كشفه الرصد هو أن الإجابة لا تتعلق بسوق واحدة تنشر رقمًا ثم تنقله ميكانيكيًا إلى الآخرين.
هناك أولًا اتجاه عام للسوق الإسرائيلية، يعكسه السعر التمثيلي لبنك إسرائيل. ثم تأتي البنوك الإسرائيلية لتترجم هذا المرجع إلى أسعار فعلية تختلف بحسب طبيعة المعاملة: تحويلات، شيكات، أو نقد. وبعد ذلك تصل الحركة إلى أسواق الصرف في القدس الشرقية والضفة الغربية، حيث تدخل عوامل أخرى مثل السيولة، وتوافر النقد، والعرض والطلب، والمخاطر وهوامش التنفيذ.
وهذا يعني أن التحول من السعر المرجعي إلى السعر الذي يدفعه المواطن لا يبدأ عند الصراف؛ بل يبدأ جزء منه داخل النظام المصرفي الإسرائيلي نفسه.
أما القدس الشرقية والضفة الغربية، فقد أظهرتا خلال فترة الرصد تقاربًا شديدًا في مركز السعر، وصل إلى التطابق في بعض المشاهدات، ولم يظهر دليل كافٍ على أن القدس تتحرك بصورة منتظمة قبل الضفة.
ولذلك فإن النموذج الأكثر اتساقًا مع المشاهدات هو:
السوق الإسرائيلية وبنك إسرائيل
→ البنوك الإسرائيلية وأسعار التنفيذ
→ استجابة متقاربة في القدس الشرقية والضفة الغربية.
وليس بالضرورة:
إسرائيل → القدس → الضفة.
وتكمن النتيجة الأهم في أن الاختلاف بين الأسواق لا يعكس دائمًا اختلافًا في قيمة العملة الأساسية، بل كثيرًا ما يعكس اختلافًا في تكلفة الوصول إلى النقد وتنفيذ المعاملة.
ومن هنا يمكن تلخيص الدراسة في عبارة واحدة:
هناك شيكل واحد واتجاه سوقي أساسي واحد إلى حد كبير، لكن عدة طبقات من التسعير والمصارف والسيولة والتنفيذ تفصل بين السعر المرجعي الذي يظهر في السوق الإسرائيلية والسعر النقدي النهائي الذي يدفعه المواطن في القدس الشرقية والضفة الغربية.
*د. نبيل كوكالي رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) ، وأحد الباحثين المتخصصين في استطلاعات الرأي العام والبحوث الاجتماعية والاقتصادية، ويتمتع بخبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في تصميم وتنفيذ الدراسات الميدانية في فلسطين والشرق الأوسط.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
