ضغوط هرمز وباب المندب تضيق خيارات الرياض..

السعودية تطلب دعماً لمواجهة الحوثيين وواشنطن تستبعد التدخل المباشر

نشاط عسكري اسرائيلي وأمريكي مشترك في منطقة مضيق باب المندب.jpg

 تكثف السعودية تحركاتها السياسية والأمنية للحصول على دعم إقليمي ودولي في مواجهة التصعيد المتسارع مع جماعة الحوثي في اليمن، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تحيط بممرات تصدير النفط السعودي، مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز شرقًا وتصاعد التهديدات قرب باب المندب غربًا، بالتزامن مع تعطل خط الأنابيب السعودي الذي يربط حقول النفط بميناء ينبع على البحر الأحمر.

وتضع التطورات الأخيرة الرياض أمام معادلة أمنية واقتصادية معقدة، بعدما أدى هجوم بطائرة مسيرة، الجمعة، إلى تعطيل خط أنابيب شرق–غرب الممتد لنحو 1200 كيلومتر عبر الأراضي السعودية، وهو أحد أهم المسارات البديلة التي تعتمد عليها المملكة لتجاوز مضيق هرمز ونقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر. وذكرت وكالة رويترز أن المخزون الموجود في ميناء ينبع قد يسمح باستمرار الصادرات لنحو خمسة إلى سبعة أيام في حال استمرار توقف الخط، فيما قد يصبح ما يصل إلى 4% من إمدادات النفط العالمية معرضًا للخطر إذا طال التعطل.

وتزامن ذلك مع تطور ميداني لافت في اليمن، حيث سيطر الحوثيون، وفق مصادر في الحكومة اليمنية تحدثت إلى رويترز، على جزيرة بريم "ميون" الواقعة في قلب مضيق باب المندب، بعد تقدم سريع على الساحل الغربي لليمن. ويمنح الموقع الجماعة قدرة أكبر على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر وقناة السويس، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية.

الرياض تبحث عن دعم إقليمي

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «إسرائيل هيوم»، نقلًا عن مسؤولين دبلوماسيين في المنطقة، بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب مساعدة من دول خليجية ومصر لمواجهة التهديد المتزايد في منطقة باب المندب، كما تحدثت الصحيفة عن اتصالات غير مباشرة مع إسرائيل، عبر القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، للحصول على دعم استخباراتي ومساعدات أخرى بهدف منع الحوثيين من إغلاق أو تعطيل الملاحة في باب المندب.

ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل التي أوردتها الصحيفة بشأن طبيعة تلك الاتصالات، لكن مساعي الرياض للحصول على دعم أوسع تتقاطع مع تحركات سعودية سبقت التطورات الحالية لتشكيل إطار متعدد الأطراف لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

أما طلب المساعدة الأميركية، فتؤكده مصادر متعددة. وقالت رويترز إن محمد بن سلمان تحدث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين على الأقل الخميس، وطلب مساعدة عسكرية أميركية في مواجهة الحوثيين، لكن واشنطن أبلغت الرياض بأنها لا تعتزم في الوقت الراهن تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة، مع استعدادها لتقديم معلومات استخباراتية ومساعدة في تحديد الأهداف.

كما زار قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر السعودية لإجراء محادثات بشأن التطورات، في مؤشر إلى استمرار التنسيق العسكري والأمني بين الجانبين رغم تحفظ واشنطن على فتح جبهة عسكرية مباشرة جديدة في اليمن.

ثلاثة ضغوط على صادرات النفط

وتكتسب التحركات السعودية أهمية إضافية بسبب تزامن الضغط على أكثر من مسار تستخدمه المملكة لتصدير النفط.

فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز دفع الرياض خلال الفترة الماضية إلى الاعتماد بصورة أكبر على خط شرق–غرب لنقل الخام إلى ينبع على البحر الأحمر، لكن إصابة الخط جعلت هذا البديل نفسه عرضة للتعطيل. وفي الوقت ذاته، أدى تقدم الحوثيين نحو باب المندب وسيطرتهم على جزيرة بريم إلى رفع مستوى المخاطر في الممر البحري الذي تعتمد عليه السفن المتجهة من البحر الأحمر وإليه.

وبحسب رويترز، ارتفعت أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع الماضي، وسط مخاوف الأسواق من اتساع الاضطرابات التي تطال إمدادات الطاقة في المنطقة.

وبذلك لم تعد المسألة بالنسبة إلى الرياض مرتبطة بجبهة اليمن وحدها، بل باتت تتصل مباشرة بأمن البنية التحتية للطاقة وقدرة المملكة، أكبر مصدر للنفط في العالم، على الحفاظ على تدفق صادراتها عبر طرق بديلة إذا استمر اضطراب هرمز.

عُمان تتحرك على خط هرمز

بالتوازي مع تصاعد الأزمة في البحر الأحمر، تتجه الأنظار إلى سلطنة عُمان، حيث تشير تقارير إلى تحركات دبلوماسية تجمع إيران ودولًا خليجية للبحث في ترتيبات تتيح استئناف حركة الملاحة بصورة أكثر انتظامًا في مضيق هرمز.

وكانت مسقط وطهران قد أعلنتا في 25 أغسطس/آب أنهما ناقشتا إطارًا مرحليًا يتضمن إقامة ممر ملاحي مؤقت عبر المضيق، إلى جانب ترتيبات فنية وأمنية وإزالة الألغام، مع مواصلة المشاورات مع دول المنطقة للتوصل إلى صيغة أوسع تضمن حرية الملاحة.

وقال مسؤولون إيرانيون إن اجتماعًا مع دول خليجية مرتقب في عُمان لبحث المضيق، في حين أشارت رويترز إلى أن السلطنة لم تعلن رسميًا حتى الأحد تفاصيل الاجتماع أو اتفاقًا نهائيًا بشأن إعادة فتح حركة الملاحة بصورة كاملة.

وتعكس هذه الاتصالات حجم الضغوط التي تواجهها دول الخليج، إذ بات تأمين حركة الطاقة والتجارة يتطلب التعامل بالتوازي مع أزمتين مترابطتين جغرافيًا وسياسيًا: هرمز من جهة، والبحر الأحمر وباب المندب من جهة أخرى.

واشنطن ترفض فتح جبهة جديدة

وفي المقابل، يظهر الموقف الأميركي رغبة في تقديم الدعم للسعودية من دون الانخراط المباشر في جولة عسكرية جديدة ضد الحوثيين.

وقال مسؤول أميركي إن واشنطن تركز على حماية مصالحها الأمنية الأساسية، ومن بينها حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع دفع شركائها الإقليميين إلى تولي دور أكبر في إدارة الأزمات الأمنية في المنطقة.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتركز فيه القدرات والاهتمامات الأميركية بصورة رئيسية على المواجهة مع إيران وتأمين مضيق هرمز، ما يجعل إدارة الرئيس ترامب متحفظة، حتى الآن، على توسيع نطاق التدخل العسكري الأميركي المباشر إلى اليمن.

وأقر ترامب السبت بأنه تحدث إلى ولي العهد السعودي، فيما قالت رويترز إن الطلب السعودي للتدخل العسكري جاء في ظل التقدم السريع للحوثيين وتصاعد المخاوف من قدرتهم على تهديد الممر البحري عند باب المندب.

بين طهران وواشنطن.. خيارات محدودة

وتضع هذه المعطيات دول الخليج أمام خيارات أكثر تعقيدًا. فمن جهة، تسعى السعودية وشركاؤها إلى الحفاظ على المظلة الأمنية والعسكرية الأميركية ومنع الحوثيين من فرض واقع جديد في باب المندب، ومن جهة أخرى تدفع اضطرابات هرمز دول المنطقة إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران في محاولة لتقليل المخاطر التي تهدد صادرات الطاقة والتجارة.

ولا يعني الحوار الخليجي مع إيران بالضرورة تحولًا في التحالفات الإقليمية، بقدر ما يعكس حاجة متزايدة إلى منع إغلاق أو تعطيل الممرات البحرية الحيوية في وقت واحد.

لكن أي تفاهم مؤقت بشأن هرمز لن ينهي التحدي الذي تواجهه السعودية إذا استمر التصعيد في اليمن، كما أن الدعم الاستخباراتي الأميركي، في غياب تدخل عسكري مباشر، يترك على الرياض وحلفائها الإقليميين عبئًا أكبر في احتواء تقدم الحوثيين وتأمين الملاحة في البحر الأحمر.

وبذلك تجد السعودية نفسها أمام أزمة متعددة المستويات: تأمين خط أنابيب شرق–غرب وإعادة تشغيله، حماية باب المندب والبحر الأحمر، التعامل مع اضطراب هرمز، والحصول على دعم أميركي وإقليمي من دون دفع المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع.

وتشير التطورات المتسارعة إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الحدود السعودية–اليمنية، بل باتت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم وباستقرار إمدادات الطاقة، الأمر الذي يمنح أي تحرك للحوثيين في باب المندب، وأي تطور عسكري في هرمز، تداعيات تتجاوز حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الرياض