تعليم الأونروا بين نقل غامض وتقليص معلن: تقارير عن تسليم ملف غزة لليونسكو وإعادة هيكلة مدارس لبنان تفتح ملف مستقبل الوكالة
تصاعدت المخاوف الفلسطينية بشأن مستقبل برنامج التعليم التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، في ظل تقارير صحفية تتحدث عن مراجعة ملفات العاملين في قطاع غزة تمهيدًا لاحتمال نقل مسؤولية التعليم إلى منظمة «اليونسكو»، بالتوازي مع جدل واسع في لبنان حول إغلاق مدارس وإعادة توزيع طلاب ومقترحات دمج مؤسسات تعليمية وتقليص برامج للتدريب المهني.
وأعادت هذه التطورات طرح أسئلة بشأن ما إذا كانت الأزمة المالية التي تواجهها الوكالة تتجه إلى إعادة تشكيل أحد أكبر برامجها الأساسية، خصوصًا أن التعليم يمثل أحد الأعمدة الرئيسية لعمل الأونروا منذ عقود، في وقت تواجه فيه الوكالة ضغوطًا مالية وسياسية متزايدة بشأن مستقبل دورها في غزة.
وفي أحدث المواقف، طالبت «دائرة وكالة الغوث واللاجئين» في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين – إقليم قطاع غزة، إدارة الأونروا بإصدار توضيح رسمي بشأن ما نشر عن ترتيبات مرتبطة بمستقبل برنامج التعليم وموظفيه في القطاع.
وقالت الدائرة إنها تتابع «بقلق» معلومات عن مراجعة ملفات موظفي التعليم وإعادة تصنيف المعلمين والعقود والمستحقات، معتبرة أن خطورة القضية تستدعي كشف حقيقة أي مقترحات تتعلق بمستقبل البرنامج.
تقارير عن لجنة في عمّان.. ولا إعلان رسمي حتى الآن
وتعود المخاوف إلى تقرير نشرته وكالة أنباء في 10 أيلول/سبتمبر، نقلًا عن مصادر وصفتها بالمطلعة، قالت فيه إن الأونروا شرعت في تدقيق ملفات موظفي برنامج التعليم في غزة، وإن لجنة خاصة تعقد اجتماعات في عمّان لمراجعة أسماء العاملين وتصنيفهم حسب التخصصات.
وبحسب تلك المصادر، تشمل المناقشات فصل معلمي المواد الأساسية عن تخصصات أخرى، ومراجعة أوضاع العقود والمستحقات ونهاية الخدمة، إلى جانب بحث إمكان إعادة توزيع بعض الموظفين على مهام إدارية أو إرشادية.
كما زعم التقرير أن النقاش يتجاوز إعادة الهيكلة الداخلية إلى احتمال نقل مسؤولية التعليم في غزة إلى «اليونسكو»، والإغاثة إلى برنامج الأغذية العالمي، وبعض الخدمات الصحية إلى منظمة الصحة العالمية، في إطار ترتيبات لم يُعلن عنها رسميًا حتى الآن.
ولا يوجد، وفق ما أمكن التحقق منه في المواد الرسمية والمتاحة حتى مساء الاثنين 14 أيلول/سبتمبر، إعلان صادر عن الأونروا أو اليونسكو يؤكد التوصل إلى قرار بنقل برنامج تعليم اللاجئين في غزة من الوكالة إلى اليونسكو.
وفي المقابل، لا تزال أنظمة الأونروا التعليمية الخاصة بغزة تعمل باسم الوكالة؛ إذ يعرض نظام إدارة معلومات التعليم التابع لمكتب غزة إمكانية الاستعلام عن نتائج العام الدراسي 2025–2026 وحالة التسجيل للعام 2026–2027، كما لا تزال منصة التعلم الرقمي التابعة للأونروا تعرض برنامج غزة ضمن أقاليمها التعليمية.
وهذا لا ينفي وجود نقاشات داخلية محتملة، لكنه يجعل الحديث عن «تسليم ملف التعليم إلى اليونسكو» حتى الآن معلومة تحتاج إلى تأكيد رسمي قبل التعامل معها كقرار نهائي.
خلفية سياسية تزيد المخاوف
وتكتسب هذه المعلومات حساسية إضافية بعدما أعلن ما يسمى «مجلس السلام» في تموز/يوليو موقفًا يدعو إلى عدم وجود دور للأونروا في مستقبل غزة، الأمر الذي أثار اعتراضات فلسطينية وحقوقية وتحذيرات من محاولات استبدال الوكالة أو تفكيك مهامها.
ولا يملك «مجلس السلام» من الناحية القانونية سلطة إنهاء ولاية الأونروا؛ إذ تستند الوكالة إلى تفويض صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي جددت ولايتها، فيما أكدت مواقف قانونية وحقوقية أن تغيير تلك الولاية أو إنهاءها لا يمكن فرضه بقرار أحادي من جهة خارج الجمعية العامة.
ومن هنا، ترى دائرة الأونروا واللاجئين في الجبهة الديمقراطية أن أي إعادة توزيع للخدمات، إذا كانت المعلومات المتداولة صحيحة، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها إجراءً إداريًا فقط، بل باعتبارها قضية مرتبطة بمستقبل ولاية الوكالة ومسؤوليتها تجاه اللاجئين.
وأكدت الدائرة أن التعليم جزء أساسي من مسؤوليات الأونروا، مطالبة الوكالة بالكشف عن أي مقترحات يجري بحثها، وضمان عدم المساس بحقوق الموظفين أو استخدام الأزمة المالية ذريعة لتقليص البرنامج.
لبنان.. تغييرات فعلية لكن الصورة أكثر تعقيدًا
وبالتوازي مع الجدل في غزة، تواجه الأونروا اعتراضات متزايدة من قوى ولجان فلسطينية في لبنان على ترتيباتها التعليمية للعام الدراسي 2026–2027.
وأصدرت دائرة الأونروا واللاجئين في الجبهة الديمقراطية – لبنان بيانًا رفضت فيه إغلاق المدارس أو دمجها وتقليص برامج التعليم والتدريب المهني، معتبرة أن تحميل الطلبة واللاجئين نتائج الأزمة المالية للوكالة سيزيد الاكتظاظ والنفقات على العائلات ويؤثر في جودة التعليم.
لكن أحدث بيان لبرنامج التعليم في الأونروا بلبنان، الصادر في 12 أيلول/سبتمبر، يقدم صورة أكثر تفصيلًا للترتيبات.
ففي طرابلس، جرى فعليًا إنهاء الوضع السابق لمدرسة رفح وإعادة توزيع طلابها. وقالت الأونروا إن الطلاب المقيمين في مخيمي البداوي ونهر البارد سيواصلون الدراسة في مدارس الوكالة داخل المخيمين، في حين سيُنقل نحو 140 طالبًا يقيمون في طرابلس إلى مدرسة اللد، التي ستحمل اسم «اللد – رفح».
وأكدت الوكالة أن الهدف من هذه الترتيبات هو إبقاء أكبر عدد من الطلاب قريبين من أماكن إقامتهم، وأن الموظفين لن يفقدوا وظائفهم بسبب إعادة التنظيم، وهي تطمينات لم تبدد اعتراضات لجان شعبية فلسطينية حذرت من زيادة الاكتظاظ وتغيير البيئة التعليمية للطلاب.
مدرسة البيرة.. إغلاق مبنى أم إلغاء مدرسة؟
وفي بيروت، أوضحت الأونروا أن عقد إيجار المبنى المستخدم لمدرسة البيرة انتهى، وأن طلاب المدرسة سيلتحقون خلال العام 2026–2027 بمبنى مدرسة القدس بشكل مؤقت، إلى حين تأمين مبنى جديد يحمل لاحقًا اسم «مدرسة القدس – البيرة».
وتكتسب هذه النقطة أهمية في توصيف التطورات؛ إذ تتحدث البيانات الفلسطينية عن «إغلاق مدرسة البيرة»، بينما تقول الأونروا إن الأمر يتعلق بانتهاء عقد المبنى ونقل الطلاب مؤقتًا، مع البحث عن مبنى بديل.
صيدا وصور.. الأونروا تقول لا تغيير
أما في صيدا وصور، فإن بيان الأونروا الأخير يقول إن ترتيبات العام الدراسي الجديد ستبقى كما كانت في 2025–2026، وهو ما يختلف جزئيًا مع بيانات فلسطينية تحدثت بصورة أوسع عن اتجاه إلى دمج وإغلاق مدارس في المنطقتين.
وفي مخيم البرج الشمالي في صور، كانت لجان أهلية وشعبية قد أعلنت رفضها مقترحًا لدمج المدارس الثلاث في مدرستين، محذرة من أن يؤدي ذلك إلى رفع أعداد الطلبة في بعض الصفوف إلى مستويات مرتفعة.
وتكشف أرقام الأونروا نفسها عن مشكلة الاكتظاظ؛ إذ تقول إن نحو 31.89% من الصفوف في مدارسها بلبنان تضم ما بين 40 و44 طالبًا، فيما تضم 13% من الصفوف بين 45 و47 طالبًا. وبذلك، يوجد نحو 45% من الشعب الصفية ضمن نطاق يبدأ من 40 طالبًا فأكثر، وفق الأرقام المنشورة من الوكالة.
ومن المقرر أن يبدأ الطلاب عامهم الدراسي في مدارس الأونروا بلبنان في 21 أيلول/سبتمبر، فيما بدأ المعلمون دوامهم في 14 أيلول، على أن يجري توزيع معلمي المياومة بحسب الاحتياجات خلال الأسبوع الجاري.
أزمة تمويل أم إعادة رسم للدور؟
ويربط المعترضون الفلسطينيون بين التطورات الجارية في غزة ولبنان وبين الأزمة المالية الأوسع التي تواجه الأونروا، محذرين من أن التقليصات المتفرقة قد تتحول تدريجيًا إلى تغيير في طبيعة الخدمات التي تقدمها الوكالة.
وتقول الجبهة الديمقراطية إن معالجة العجز المالي ينبغي ألا تتم عبر إغلاق المدارس أو زيادة الاكتظاظ أو تقليص التدريب المهني، مطالبة الدول المانحة بتوفير تمويل مستدام للوكالة.
كما شددت على أن الدفاع عن بقاء الأونروا وولايتها لا يعني القبول بكل قرارات إدارتها، داعية إلى حماية برامج التعليم والصحة والإغاثة وحقوق العاملين.
وبين معلومات لم تؤكد رسميًا بعد عن مستقبل برنامج غزة، وإعادة توزيع مؤكدة لطلاب مدارس في لبنان، يبقى السؤال المركزي متعلقًا بما إذا كانت الإجراءات الحالية مجرد استجابات مالية وإدارية مؤقتة، أم أنها بداية تحول أوسع في بنية الخدمات التي ظلت الأونروا تقدمها للاجئين الفلسطينيين لعقود.
وحتى صدور توضيح رسمي بشأن ملف غزة، يبقى الحديث عن نقل التعليم إلى «اليونسكو» في نطاق المعلومات الصحفية غير المؤكدة، بينما تشير الوقائع المعلنة في لبنان إلى أن إعادة هيكلة جزء من شبكة التعليم أصبحت قائمة بالفعل، وإن كانت الأونروا تختلف مع منتقديها في توصيف حجمها وأسبابها وتداعياتها.
