خلافات أبومازن ودحلان وصلت حد "كسر العظم"

"كسر العظم والبقاء للأقوى" هو الحد الذي وصلت اليه الخلافات بين الرئيس الفلسطيني زعيم حركة "فتح" محمود عباس (أبو مازن) والقيادي المفصول من عضوية اللجنة المركزية لـ"فتح" محمد دحلان، بعدما أغلقت كل الأبواب العربية والفتحاوية التي تدخلت لاحتواء الخلافات وعدم إظهارها بشكلها المعلن حاليا.
وتطورت الخلافات تدريجيا بين الرجلين بعدما شن دحلان مؤخراً هجومًا على أبو مازن وفريقه التفاوضي، واصفا سلوكهم "التفاوضي" بالمستجيب لضغوطات "اسرائيلية وأمريكية". الأمر الذي دفع مركزية "فتح" لمهاجمة دحلان، والتأكيد على أنه يقود "نهج تآمري" ضد الشعب الفلسطيني وقائد "فتح" العام، والذي يتهم دحلان بقضايا فساد وأخرى تتعلق بتقديم معلومات للاحتلال عن المقاومة إبان توليه منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي بالسلطة الفلسطينية.
ولم تتوقف الخلافات عند تبادل الاتهامات بين الرجلين فقط عبر وسائل الإعلام، وإنما انتقلت إلى داخل انتخابات الأقاليم التابعة للحركة في محافظات قطاع غزة. الأمر الذي يعتبره المحللون السياسيون خلال أحديث منفصلة لمراسل" وكالة قدس نت للأنباء" ينذر بوقوع انشقاق كبير في صفوف الحركة، ربما يصل إلى حد ولادة تنظيم جديد يقوده دحلان.
واتسعت دائرة الخلافات إلى حداً آخر خاصة بعدما أفاق الغزيون على صور للرئيس أبو مازن معلقة بمعظم المفارق الرئيسة بمدينة غزة كتب عليها "كفي لرمز الفساد والطغيان والانقسام والخنوع وترقبوا الحدث الفتحاوي الكبير بتاريخ، 15-1-2015"، وعقب ذلك تجمع المئات من أنصار دحلان الذين رقن قيدهم من السلطة الفلسطينية، في ساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزة، ورددوا هتافات مناصرة لدحلان.
كل هذه الخلافات تأتي بالتزامن مع ذكرى انطلاقة حركة فتح الـ 50 والتي تصادف الاول من يناير/ كانون ثاني، وسط غياباً واضح لإقامة مهرجان مركزي لإحياء الذكري والاكتفاء فقط بإيقاد الشعلة بقرار مركزي من الحركة، وهو ما يفسره المراقبون السياسيون بأنه قرار جاء لتفادي الاشتباك بين أنصار دحلان، والقائد العام لفتح أبو مازن.
كبديل لـ" أبو مازن" في قيادة "فتح"
ويعبر الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إبراهيم إبراش أن خلافات فتح الداخلية بدأت تظهر بشكل تدريجي منذ وفاة الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار) ، عقب سعي بعض قياداتها بأن تملأ الفراغ، وإن كان الأمر حسم لصالح أبو مازن.
ويرى إبراش خلال حديثه لمراسل" وكالة قدس نت للأنباء" أن خلاف دحلان مع أبو مازن لم يعد مجرد موقف لقيادي فتحاوي معارض لموقف رئيس الحركة, بل أصبح يشكل ظاهرة بكل ما تعنيه الكلمة، سيما بعد بروز أنصار لدحلان في قطاع غزة الامر الذي يجعله يفكر في طرح نفسه كبديل لأبو مازن في قيادة "فتح".
وتقول عضو اللجنة المركزية لحركة فتح آمال حمد:" إن الحركة أمام تحدي خطير ومن يريد أن يكون في إطارها عليه الالتزام بنظامها الداخلي وبرنامجها السياسي ومن لا يريد ذلك فليخرج من إطارها ويشكل تنظيم". وأضافت:"كل اللذين خرجوا عن إطار فتح انتهوا وذهبوا إلى زوال". وأكدت أن الحفاظ على الحركة يساعد في مواجهة الاحتلال.
لا انشقاق داخل فتح
ولفتت حمد خلال حديثها لمراسل" وكالة قدس نت للأنباء" الى أنه لا يمكن الحديث عن انشقاق داخل "فتح"، معتبرة ما يجري هو محاولة للهيمنة على الحركة من مجموعة تسعى لجر "فتح" في اتجاه ووجهة معينة لا تخدم رؤية الحركة.
وتؤكد حمد أنه من غير المسموح أن تكون هناك إساءة للرئيس أبو مازن، ونبهت إلى أن  التعددية الفكرية والسياسية والاجتماعية في "فتح" موجودة ولكن (من غير المسموح أن تنال تلك التعددية من القيادة). وطالبت حمد أبناء "فتح" بالعودة إلى حضن الشرعية وأن لا تغريهم بعض التجاذبات ذات المصلحة.

تأمل حمد في ظل الهجمة الشرسة التي يقودها الاحتلال وقوى عربية عديدة أن تتوحد الحركة من أجل المواجهة.  وعلى الجانب الأخر يرى القيادي المستقيل من عضوية المجلس الثوري لحركة "فتح" سفيان أبو زايدة أن خلاف (أبو مازن ودحلان) له أبعاد كثيرة، مبيناً بأنه حسب اعتقاده " أهم ما في هذا الخلاف خلوه من الالتزام بأدبية الخلاف".
التمني شيء والواقع شيء أخر
ويبين أبو زايدة في حديثه لمراسل " وكالة قدس نت للأنباء" أن الرئيس أبو مازن لم يلتزم بالأنظمة الداخلية للحركة، معتبراً بأن ذلك سهل عملية إقصاء دحلان من الحركة.
واتهم أبو زايدة القائد العام للحركة بانه استغل نفوذه كرئيس للسلطة ومنظمة التحرير ولـ"فتح" إضافة لسيطرته على الأجهزة الأمنية من أجل إقصاء دحلان، مؤكداً بأنهم ليسوا ضد أن يكون هناك محاربة للفساد.
ورفض أن تكون تلك المحاربة انتقائية عبر استغلال شعار "محاربة الفساد" من أجل مواجهة خصوم سياسيين، بالتزامن مع التغطية على فاسدين حقيقيين لمجرد أنهم حلفاء لأبو مازن، مشدداً على أن كل ما نفذ بحق دحلان مخالف لنظام "فتح" الداخلي. وقال ": في البداية عليك أن تحقق وثم تقرر داخل الإطار وتفصل بناء على نتائج التحقيقات وهذا ما لم يفعله أبو مازن  ".
ويلفت أبو زايدة المقرب من دحلان إلى أنه كان يتمنى أن تأتي ذكرى الانطلاقة الـ 50 وحركة "فتح" موحدة ولا يوجد فيها خلافات ويطبق برنامجها السياسي، بما يكفل احترام الأنظمة التي أقرتها المؤتمرات السابقة. وقال : "التمني شيء والواقع شيء أخر".
ظهور تنظيم جديد
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور ناجي شراب أن خلافات "فتح" حقيقية خاصة وأنها تجاوزت كونها خلاف بين قيادات لها وزن، متوقعاً في حديثه لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" أن ينتقل (الخلاف) إلى مرحلة تجعل ظهور تنظيم سياسي أخر يخرج من رحم "فتح" احتمال قائم، إذا لم تتم معالجة الخلافات.
ونبه شراب إلى أن صانعو القرار السياسي في "فتح" ينبغي عليهم الإدراك أن مؤشرات لانقسام بين (فتح الضفة الغربية وفتح قطاع غزة) بدأت تظهر مؤخراً ما يجعل "فتح" مدعوة لمعالجة ذلك بشكل واضح. وقال :" من المهم أن يكون عنوان المؤتمر السابع لفتح والذي لم يحدد موعده بعد "المصالحة الفتحاوية" بناء على مبادرة صادقة لتعزز المصالحة وليس تعميق الانقسام."
ولفت شراب إلى أن فتح عانت من انقسامات وخلافات في السابق ونجحت في تجاوزها، لكن هذه المرة لا ينبغي المرور على تلك الخلافات مرور الكرام وخصوصا في ذكرى انطلاقتها. ويعتبر شراب أن فتح ما يزال يحكمها قانون المحبة الفتحاوية الذي يسمو دائما على كافة الاختلافات والانقسامات التي شهدتها .
إلى ذلك يبدي مسؤولون في السلطة الفلسطينية، تخوفاُ من حالة من الإنسجام والتناغم في العلاقة بين دحلان المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة وقادة حركة "حماس" التي تدير شؤون قطاع غزة على الرغم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله، وذلك من أجل إدارة شؤون قطاع غزة المحاصر من قبل اسرائيل.
وقال المسؤولون في تصريحات خاصة لـ" وكالة قدس نت للأنباء" بأن هناك خشية من التحالف بين (دحلان و حماس) ويعتبرون ذلك قد يؤدي إلى شق الصف الوطني، وإستقلالية بإدارة شؤون قطاع غزة عن الضفة الغربية.
تقارب بين "حماس" و"دحلان"
وكان نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية قال في تصريح له مطلع هذا الأسبوع إن "العلاقة التي تجمع حركته مع القيادي المفصول من "فتح" محمد دحلان هي "علاقة أبناء شعب".
وأضاف هنية في إشارة إلى نشاطات دحلان الإنسانية المتزايدة في غزة مؤخراً بالقول"من يريد تخفيف المعاناة عن شعبنا نرحب به دون شروط"، كما نقلت عنه مواقع مقربة من "حماس".
وسمحت "حماس" قبل نحو أسبوعين للمئات من أنصار دحلان بالتظاهر ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، في خطوة فهمت على أنها دعم غير مباشر من "حماس" لدحلان سيما وأنها جاءت بالتزامن مع صدور العديد من التصريحات لقيادات في "حماس" تلمح إلى إمكانية.
ومن ناحيته ألمح دحلان ، إلى وجود تواصل بينه وبين قيادة "حماس"، منتقداً في الوقت نفسه من يشكك في طبيعة هذا التواصل.
وكتب دحلان على صفحته بموقع "فيسبوك" بمناسبة ذكرى إنطلاقة "فتح" إن "احقاد و تشويهات الفاسدين عن طبيعة التواصل بيني و بين قيادة حماس لا تربكني ، ولن تزعزع قناعتي في ضرورة بذل كل جهد مستطاع لتخفيف الحصار و التجويع و التهميش المزدوج الذي يمارسه نتنياهو وعباس بحق اهلنا في القطاع الصامد".
دحلان يجدد هجومه
وأضاف: "أرجو ان يكون أي تواصل عاملا يعزز المصالحة الوطنية الشاملة ، لكنه قطعا لم و لن يشكل بديلا لها او يغني عنها ، و انا ارحب بأي تواصل وفق رؤية وطنية شاملة وبما يخدم شعبنا و يخفف من آلامه العميقة".
وعاد دحلان لهجومه على أبو مازن معتبراً أنه يخنق ويحاصر غزة، وقال:" ان اتفاقية المصالحة مع حركة حماس كانت تأليفا و تلحينا و غناء رديئا من محمود عباس و عصبته المغلقة وكان إتفاق مصالح وليس مصالحة ".
وتابع:" ورغم ذلك فقد باركنا الإتفاق وسجلنا ملاحظاتنا وحذَّرنا من هشاشته ، وها هو عباس و جماعته يلهثون مجددا الى قطاع غزة ويتباهون بذلك ومرة أخرى وفق مزاجية الشخص ودون رؤية وطنية ورغبة صادقة ، فمن اعطاهم حق التحريم على غيرهم و الإباحة لأنفسهم؟"

وكانت حركة "فتح" أعلنت في منتصف حزيران/يونيو 2011 أن لجنتها المركزية قررت فصل محمد دحلان وانهاء أي علاقة رسمية له بالحركة وتحويله للقضاء.

وأوضحت اللجنة المركزية لـ"فتح" في تموز/يوليو من العام نفسه ان سبب اقصاء دحلان من عضوية الحركة هو "تجاوزات تمس الامن القومي الفلسطيني والثراء الفاحش والتآمر".

ودحلان عضو في المجلس التشريعي عن حركة "فتح"، ورفعت عنه الحصانة قبل ان يتم فصله من حركة "فتح" وتوجيه تهمة القدح والذم والتشهير اليه، اضافة الى تهم اخرى.

وحسب قانون الانتخابات الفلسطيني فانه يمنع اي شخص ممن صدر بحقه حكم بالسجن من محكمة مدنية من الترشح للانتخابات التشريعية او الرئاسية او حتى البلدية.

وكان اسم دحلان قد راج بقوة كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية المقبلة، وتبادل أبو مازن ودحلان تهم التورط في قتل الرئيس الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات قبل عشر سنوات.

وأعلنت محكمة في رام الله الاحد الماضي عن ارجاء محاكمة لدحلان إلى 22 من كانون ثاني/يناير الجاري، حسبما أعلن محاميه لوكالة الصحافة الفرنسية، متهما القضاء بمنعه الاطلاع على ملف موكله. وسبق أن صدر بحق دحلان حكم غيابي بالسجن سنتين بعد ادانته بالتشهير بأجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

تقرير مراسلنا : سلطان ناصر

المصدر: غزة - وكالة قدس نت للأنباء -