يصادف اليوم الذكرى السنوية الثامنة والثلاثون لاستشهاد القائد الوطني والقومي والمقاتل الفذ وأحد مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وديع حداد.
ولد وديع حداد في مدينة صفد في العام 1927، وكان والده يعمل مدرساً للغة العربية في إحدى المدارس الثانوية في مدينة حيفا، وبحكم وجود والده في مدينة حيفا فقد تلقي تعليمه الابتدائي والاعدادي والثانوي في المدينة، وأثناء وجوده على مقاعد الدراسة بمراحلها المختلفة تميّز وديع بذكائه المتقد ونشاطه المميزة وتفوقه في مادة الرياضيات، كما أنه كان يمارس رياضة الجري وأنشطة رياضية أخرى.
ونتيجة للمأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني بنكبة عام 48، اضطر وديع للهجرة من وطنه واللجوء مع عائلته ووالده إلى مدينة بيروت حيث استقر بهم المآل هناك، وفي هذه الأثناء التحق وديع بمقاعد الدراسة في الجامعة الأميركية في لبنان ليدرس الطب.
لقد ولّدت النكبة داخل وديع شعوراً عالياً بالمسؤولية تجاه شعبه وقضيته التي إزدادت مأساوية على ضوء النكبة، الأمر الذي عكس نفسه على اهتماماته وتوجهاته المستقبلية، ودفعت به باتجاه الإنخراط الفعلي في الفعل الوطني الكفاحي للشعب الفلسطيني، وقد تجلّت بواكير هذه التوجهات خلال انخراطه وهو ما يزال على مقاعد الدراسة في اغاثة أبناء شعبه المشردين جراء النكبة، ولاحقاً عبر انخراطه في جمعية "العروة الوثقي" التي بدأت بلعب دور سياسي بعد انخراط الشباب القومي المتحمس للعمل السياسي بها، تولي الشهيد وديع موقعاً قيادياً في هذه الجمعية.
وما أن أعلن عن تشكيل "هيئة مقاومة الصلح مع اسرائيل" والتي تم تشكيلها من قبل "الشباب العربي القومي" تصدّر وديع حداد الأنشطة السياسية التي كانت تقوم بها هذه الهيئة كعضو قيادي فيها، وكانت هذه الهيئة تقوم بأنشطة عديدة لمناهضة الصلح تمثلت بالمظاهرات والمنشورات، الى جانب دورية "الثأر"، ويمكن القول إن وديع بدأ عمله السياسي كمحترف وقائد سياسي وجماهيري بعد تخرجه كطبيب من الجامعة الأمريكية وانتقاله الى ساحة الاردن والتحاقه برفيق دربه الدكتور جورج حبش الذي كان قد سبقه الى هناك، ليشكلا معاً العيادة المجانية إلى جانب عيادتيهما، معتبرين نشاطهما الأساسي والرئيسي النشاط الوطني والقومي وليس الطبي.
وفي سبيل تعميق وتجذير التوجه الذي اختطّاه في العيادة الطبية، قاما بإنشاء صفوف تدريس لمحو الأمية لكبار السن، كما استطاعا وعبر رفاق اردنيين أعضاء في الحركة النفاذ إلي نادى "المنتدي العربي" واعتباره أحد المنابر التي إنطلق نشاط الحركة من خلاله.
وقد تتوجت تلك التوجهات ببلورة نواة كحركة القوميين العرب في الأردن، استطاعت وبزمن قياسي أن تساهم بشكل أساسي في المواجهات التي خاضتها الحركة الوطنية الأردنية في مواجهة "تمبلر" ومشروع حلف بغداد واسقاط حكومة هزاع المجالي وتالياً تدريب قيادة الجيش ورحيل كلوب باشا، وقد مثلت هذه التوجهات بداية نهوض وطني عام في الأردن.حسب ما ورد في تقرير صدر عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يرصد محطات في حياة الشهيد وديع حداد
ويضيف التقرير "على ضوء هذه المعارك والمواجهات والدور الملموس الذي لعبته الحركة خلالها، أصبحت تحظي بدور وسمعة جماهيرية عالية وكبيرة، وبرز الشهيد وديع بوصفه الدينامو المحرك والموجه لفعلها الميداني المتنامي."
ويتابع التقرير "لكن النظام الأردني لم يسلم بما وقع ، وقام بهجوم معاكس في نيسان عام 1957 ضد حكومة سليمان النابلسي، واتبعها بحملة اعتقالات واسعة طالت رموز وقيادات الحركة الوطنية ونشطائها، وكان من ضمن الذين ألقي القبض عليهم وديع حداد الذي أودع في المعتقل الصحراوي المعروف "بسجن الجفر".
ومكث وديع حداد ثلاث سنوات في معتقل الجفر الصحراوي، وبعد جهود مكثفة افرجت السلطات الاردنية عنه، وخلال وجوده في المعتقل مثل وديع نموذجاً وقدوة لكافة القوى، ولم ينس رسالته الانسانية والجماهيرية، حيث قام وخلال سجنه باغاثة وعلاج أبناء العشائر البدوية المقيمين في المنطقة بشكل طوعي ومجاني.
التحق وديع فوراً بمقر الحركة في دمشق بعد تحرره، وهناك وعلى ضوء العلاقة الجيدة بين الحركة وقيادة الجمهورية العربية المتحدة وجمال عبد الناصر، ونظراً لاندماجه في المواضيع العملية، انخرط في دورة عسكرية في دمشق وكان المسؤول الأول عن هذه الدورة، ولاحقاً أسندت له الحركة مسؤولية العمل الفلسطيني والذي كان حتى ذلك الوقت ممثلاً يرأس قيادة في إطار الحركة ولم يكن فرعاً متكاملاً.
وعلى ضوء عملية الانفصال التي حصلت بين مصر وسوريا، انتقل وديع الى بيروت واستمر في تولي مسؤوليته القيادية للجانب الفلسطيني، وفي مرحلة لاحقة تولى مسؤولية العمل العسكري لكل فروع حركة القوميين العرب حيثما تواجدت، حيث أسندت له مهمة الإعداد للعمل الفدائي فلسطينياً وعربياً (اليمن - ليبيا - وأقطار أخرى) وعلى المستوي الفلسطيني كان وديع من أكثر المتحمسين لبدء العمل المسلح ضد إسرائيل.
وجاءت هزيمة حزيران 1967 لتزيد اندفاعته وحماسه في ممارسة الكفاح المسلح، وكان وديع مشدوداً لانشاء جبهة فلسطينية كاملة تضم كل القوى المسلحة على الساحة الفلسطينية علي شاكلة الجبهة التي تشكلت في الجزائر، ولاخراج هذه الفكرة إلي حيز الوجود الفعلي، قام وديع مندوباً عن الحركة بفتح حوار مع كل من حركة فتح وجبهة التحرير الفلسطينية، و "طلائع حرب التحرير الشعبية" (الصاعقة) وفشلت المحاولة بسبب موقف قيادة فتح من مسألة الجبهة الوطنية.
وفي ظل الأجواء الملبدة بغيوم الهزيمة العربية الرسمية في حزيران 67 ، وفي ظل الشعور المتزايد لدى قيادة حركة القوميين العرب أن النضال القومي قد غيّب الخاص الفلسطيني، فقد اتجهت الجهود نحو تشكيل أداة فلسطينية تكون مهمتها النضال من أجل تحرير فلسطين، عبر تبنيها لأشكال نضال ووسائل كفاحية تتخطى وتتجاوز الأشكال والأساليب التي اتبعتها الأنظمة العربية الرسمية، والتي ثبت عجزها على مواجهة التوسع الإسرائيلي واسترداد فلسطين، وتم تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من شباب الثأر وأبطال العودة وجبهة التحرير الفلسطينية وعدد من الشخصيات والرموز الوطنية القومية الناصرية.
ومنذ التأسيس تولى وديع حداد مهمات قيادية أساسية جداً في الجبهة حيث أسندت له مهمتان رئيسيتان هما المالية والعمل العسكري الخارجي، وأثبت وديع من خلالهما قدرات قيادية وعملية جديرة بالاحترام والتقدير، حيث جسد شعار "وراء العدو في كل مكان" بطريقة فاعلة.
ومهما تكن وجهات النظر التي طرحت سابقاً وربما تطرح الآن بخصوص هذا الشكل الكفاحي، فإن العمليات العسكرية التي نفذتها الجبهة والخط التكتيكي العسكري الذي قاده وديع كانت في حينه ضرورة من ضرورات اشهار القضية الفلسطينية وتعريف العالم بقضية هذا الشعب ومعاناته جراء الغزوة الصهيونية الغاشمة التي شردته من أرضه ووطنه ورمت به في شتات الأرض ومخيمات اللجوء المختلفة.حسب تقرير الجبهة
استشهد في عام 1978 في ألمانيا الشرقية.
وفي هذه المناسبة، أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بيانا جاء فيه :"في مثل هذا اليوم من العام 1978 فقد شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية وأحرار العالم فارساً كرس حياته وخبراته في ملاحقة الاحتلال الصهيوني، إنه القائد الدكتور وديع حداد " أبو هاني" ابن مدينة صفد بالجليل الأعلى، أحد مؤسسي حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين."
وأضافت في البيان :"لقد أثبت القائد الشهيد حداد ومن خلال توليه مسئولية العمليات العسكرية الخارجية للجبهة وتبنيه للعنف الثوري في مقاومة الاحتلال ومطاردته لهم تحت شعار " وراء العدو في كل مكان" بأنه يمتلك عقلية نافذة ابتدعت وسائل جريئة ومؤلمة للاحتلال من خلال سلسلة العمليات التي نفذتها الجبهة في داخل الوطن وخارجه والتي حملت بصمات القائد وديع حداد."
وقالت :"ولن ننسى بأن القائد وديع حداد هو من قدّم القضية الفلسطينية للعالم كقضية تحرر وطني، لفتت أنظار العالم إلى معاناة شعبنا الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وشكّلت إلهاماً للعديد من حركات التحرر الوطني عبر العالم والتي انضمت تحت قيادة وديع ورفاقه وشاركت في تنفيذ عدد من العمليات الجريئة منها عملية مطار اللد البطولية عام 1972 التي نفذتها مجموعة من مقاتلي الجيش الأحمر الياباني."
وأضافت الجبهة في بيانها :"إننا في الذكرى الثامنة والثلاثين لاستشهاد القائد وديع حداد إذ نستذكر تجربته النضالية والعسكرية، فإننا ندعو لتصعيد المقاومة والانتفاضة وترسيخ النهج الثوري في الساحة الفلسطينية، والتأكيد على حق شعبنا في الرد على جرائم الاحتلال."
وختمت البيان بالقول :"إن الوفاء للقائد وديع حداد يكون بالإيمان العميق، فكرة ونهجاً وعملاً بالأهداف التي ناضل واستشهد من أجلها، وبأن العنف الثوري والمقاومة المسلحة هي سلاح الشعوب المضطهدة والأسلوب الأنجع لنيل حقوقنا الوطنية كاملة دون نقصان."
