نسيم رجوان في "آخر اليهود في بغداد..ذكريات وطنٍ مفقود": حياة أجيال فقدت ترابها وثقافتها

الحياة في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في بغداد أشبه بالطلاسم التي لم يفهم فحواها الكثير من المؤرخين، حتى الذين عايشوها. فقد كانت هذه المدينة مليئة بالتناقضات والايديولوجيات والتناحرات الدينية والعنصرية، وهذا ما أكده الكثير من كتاب الديانات من غير المسلمين ومن الأقليات الأخرى.
ربما كان اليهود من أكثر الأقليات التي عانت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي من المضايقات والتهجير، حتى اضطرهم الأمر للهرب إلى دول أوروبا أو إيران أو لبنان، ومن ثمَّ هاجر بعض هؤلاء إلى إسرائيل بعد أن ضاقت بهم السبل، ومن هؤلاء الكاتب المعروف نسيم رجوان، الذي حاول الحديث عن بغداد الملكية وحياته الخاصة في كتابه الذي ترجم مؤخراً إلى العربية بعنوان "آخر اليهود في بغداد.. ذكريات وطن مفقود" والصادر عن دار وراقون في البصرة، ودار الرافدين في بيروت.
يقدّم رجوان سياحة في حياة بغداد والبغداديين، ابتداءً من التعليم والاقتصاد والتجارة، ومن ثمَّ حياة العوائل اليهودية من الداخل، والعلاقات التي تربطهم ببعضهم، وزواجهم وتجارتهم وتدينهم.
في بداية حديثه يقول، غالباً ما كان يقال أن نيويوورك هي مدينة يهودية، أعتقد أن المرء يمكن أن يقول الشيء نفسه عن بغداد في النصف الأول من القرن العشرين. في وقت الكتابة، بالكاد هناك 20 يهودياً، معظمهم من كبار السن، يعيشون في مسقط رأسي. النُصب الذي تركه هؤلاء اليهود هو كنيس حيث، كما فعلها أسلافهم منذ أزمنة سحيقة، ما فتئوا يصلون من أجل "رفاهية المدينة".
وفي معرض حديثه عن قياس اليهود نسبة إلى المسلمين في بغداد، يقول: ثمة إعلان صادر عن الحاكم العسكري البريطاني عام 1919 حدد عدد الخراف الواجب ذبحها يومياً في شرق بغداد )الرصافة، وهو نصف المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان( بـ220 رأس غنم للقصابين اليهود و160 رأسا للقصابين المسلمين وغيرهم.
وفي عام 1926 السنة التي تأسست فيها غرفة تجارة بغداد، كان خمسة من بين أعضاء المجلس الإداري الأربعة عشر يهود.
هذه هي بغداد التي أبصر فيها رجوان النور أول مرة، والتي قضى فيها الست والعشرين سنة الأولى من حياته. بينما لم تتغير الصورة من الناحية السكانية كثيراً حتى عام 1951. حدثت تغيرات أساسية في معظم الجوانب الأخرى لحياة المدينة على مدى هذه العقود الثلاثة، وأحد هذه الجوانب جرى الإعلان عنه بشكل خاص، وهو المشهد الديني اليهودي. المجتمع، والعائلة، التي ولد فيها يمكن وصفها أنها محافظة في المعنى الدقيق للكلمة، رغم أنها ربما غير "متعصبة" في المعنى الذي يستخدمه اليهود الأوروبيون بشكل عام، ويهود أوروبا الشرقية على نحو خاص. حتى سن العاشرة اعتاد على أخذ والده، الذي فقد بصره، إلى الكنيس صباح كل يوم سبت.
مبيناً أن في العراق في تلكم الأيام صفة "عربي" لم تُستخدم على الإطلاق لتحديد هوية الشخص، التعارض العربي- اليهودي الذي نشهده اليوم باستمرار لم يستخدم مطلقاً لا في الكتابة ولا في الخطاب اليومي. إذ من العادة أن يقال للبغدادي بأنه يهودي، مسلم، كردي، مسيحي، أرمني، تركي، فارسي… إن تفسير ذلك ليس عصياً، حسب اعتقادي. فما يسمى بـ"الهوية" الوطنية للرجل أو المرأة لم يكن فقط غير ذي صلة ولكن أيضاً المفهوم نفسه لم يكن معروفاً، وفي تلكم الحالات التي كنتَ تحتاج فيها لتعرف هوية المرء بالمعنى الأوسع للمواطنة أو الموقع الجغرافي، كنتَ تقول ببساطة أنه أو أنها سوري، مصري، يماني، عراقي، فلسطيني، ألخ…
وفي سعيه لتغيير حياته التي كان يرفضها، يقول في كتابه: "إن التغيير كان أعظم من ذلك منذ ان صادف وغيرتُ عادتي في مكان ما في منتصف العمر، وأنا اتنقل من بلد إلى آخر، ومن حضارة إلى أخرى. من المؤكد، في حالات معينة لم تكن الاختلافات بين المجتمعيَن مزعجة بالمرة؛ لكن التغيير في الخطى المطلقة للحياة والنشاط كان بالغاً بحيث أحدثَ اختلافاً كبيراً. الحقيقة، على أي حال، هي أن في العراق وكذلك في إسرائيل، حيث انقسمت سني حياتي الخمسين الأولى بالتساوي، حدثت أثناء هذه العقود الستة أشياء هائلة، ومقلقة غيرت وجه المجتمع. وكانت النتيجة مقلقة مرتين: ففي الوقت الذي كنت فيه في الخامسة والعشرين كان المجتمع العراقي قاطبة والبنية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع اليهودي في العراق قد تغير بشكل لا يمكن إدراكه تقريباً، بينما الانتقال إلى إسرائيل كان يعني شيئاً ما ينطوي على صدمة حضارية".
وفي استذكاره لحياته بين العراق وإسرائيل، يقول أن الاغتراب بدأ، من خلفيته العربية بالنسبة للقضايا اللغوية والأدبية، يظهرعلى السطح، عندما بدأ يعي من الناحية السياسية العالم الذي يدور حوله "أحد المؤثرات المهمة في حياتي هي الحرب الأهلية الإسبانية، التي كان يقاتل فيها الجمهوريون الشجعان الفاشيين المتوحشين الذين يدعمهم العدو اللدود لليهود في ذلك الوقت المانيا النازية. ووقف بعض أشهر المثقفين والأدباء البريطانيين والفرنسيين إلى جانب الجمهوريين… بعضهم اشترك فعلاً في القتال، حيث الشيوعيون يأخذون زمام القيادة، تدعمهم موسكو. في تلك السنوات من أواخر الثلاثينيات في بغداد، هناك القليل الذي يمكن أن تتطرق له وسائل الإعلام المحلية، بسبب أدائهم الفقير للغاية من الناحية المهنية والتعاطف المتنامي ولو غير المعلن مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية".
اغتراب رجوان، سبقته سنة مرَّت بين تركه عمله في الرابطة ومغادرته إلى إسرائيل.. "كانت سنة من البطالة، أعتقد اضطررنا فيها ثانية أنا وأمي أن نعود إلى أخي إلياهو من أجل المساعدة في الإيجار وفواتير البقالة. أثناء تلك الشهور الطويلة، كل الذي كنت أحتاجه فعلاً هو مصروف جيب. وإذ كنت أقضي جل وقتي في البيت أقرأ، فإنني لا أغادر إلا في وقت متأخر من الأمسيات، لأتوجه إلى أي مكان كان أعضاء حلقتنا سيجتمعون فيه في ذلك اليوم. عادة ما كان ذلك مقهى أما على ضفة النهر، أو جولة نهرية، نزهة، أو في شارع المدينة الرئيسي، حسب الوقت من السنة والطقس… وكون كل شخص يعرف بخططي للمغادرة، كانت ثمة العديد من عبارات الأسف، كان بعضها أحياناً يرقى، فعلاً، إلى أن يكون عاطفياً. ثلاثة أشخاص من الحلقة احزنتني مغادرتهم بشكل خاص، ولم أكن قادراً على معرفة كم يطول فراقهم، كانوا نجيب، وعدنان، وبلند".
وفي معرض كلامه عن الوضع الثقافي وعلاقاته بالمثقفين العراقيين، وجد رجوان في نجيب المانع القرين العاطفي والفكري والأكثر حميمية. وكونه حلو المعشر، ونوعاً ما خجولاً، وحكيماً قياساً لعمره، ومستقبِل إلى أبعد حد للأفكار، كان نجيب قارئاً نهماً وقد غذى إلى حد ما معرفته باللغة الإنكليزية من بين مجموعتنا على الإطلاق. "أنا ونجيب كان بمقدورنا التحدث عن كافكا، الذي كانت كتبه تُقرأ في وقت واحد، لمدة ساعات متواصلة، أو نتحدث عن كتاب سارتر "الغثيان" الذي ظهر تواً باللغة الإنكليزية، عاقدين مقارنات بين الوضع الموصوف هناك ووضعنا نحن بوصفنا نوعاً من المثقفين المحبوسين".. مضيفاً أنها فترة من الزمن كانت تتشكل للتو فيها بعض المعالم في الأدب المعاصر، رواية أورويل"1984" و"مزرعة الحيوان"، والترجمات الإنكليزية لـ"الغريب" لألبير كامو، وترجمات أعمال ريلكه، وبعض مسرحيات وشعر لوركا، ومسرحية توماس مان "دكتور فوستس".
أما أول الأعمال الأدبية باللغة العربية في العراق فقد ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى. في ذلك الوقت، كان هناك جمهور نقدي من اليهود ممن كانوا حسني الثقافة في اللغة العربية وعلى اطلاع بالأدب الغربي، الذي أدخلوه في الحوار مع أشكال الحداثة الأدبية العربية الصاعدة.
ويستذكر رجوان أهم الأحداث الثقافية التي مرَّت على العراق في النصف الأول من القرن الماضي، مشيراً إلى أن في العام 1922 نشر مراد ميخائيل (1906- 1986) أولى القصص العربية في العراق هي "شهيد الوطن
في إسرائيل الخمسينيات والستينيات كان من الشائع الحديث عن الهجرة الجماعية من أراضي المسلمين بوصفها (هجرة إنقاذ)، لتدل على أن هذه الجاليات اليهودية لُفِظت فعلاً من أراضي مولدها، وكان لديها الحظ الجيد في الحصول على إخوان محبين وخيرين في أرض إسرائيل التي وفرت لهم ملاذاً وبيوتاً جديدة، غير أن ما يقوله السجل التاريخي، على أي حال، وما يشهد به الناس المنخرطون مباشرة في تلك الحركات السكانية الجماعية، يبدو متناقضا بشكل واضح مع هذه النسخة البسيطة جداً من الموقف.حسب تقرير لصحيفة " القدس العربي" اللندنية

نسيم رجوان: "آخر اليهود في بغداد.. ذكريات وطن مفقود".
دار وراقون، البصرة ودار الرافدين، بيروت 2016
352 صفحة

المصدر: صفاء ذياب -