عبر اللغة العبرية.. إسرائيل تسعى لاحتواء المقدسيين

أطفال فلسطينيون بإحدى مدارس الأنوروا في القدس الشرقية (رويترز).webp

- الحكومة الإسرائيلية خصصت المزيد من الميزانيات لتعليم اللغة العبرية وتنظيم أنشطة بها في القدس، بموازاة محاولاتها كل عام لفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس الفلسطينية.
- رئيس مؤسسة فيصل الحسيني: بعد فشل طردنا من القدس، لجأ الإسرائيليون إلى محاولة الاحتواء والدمج.. مدارسنا ومؤسساتنا ومراكزنا هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على هويتنا.

مع بداية كل عام دراسي، تكثف إسرائيل محاولاتها لفرض منهاجها التعليمي على المدارس الفلسطينية في مدينة القدس الشرقية المحتلة.

غير أن العام الدراسي الحالي، الذي بدأ في وقت سابق من سبتمبر/ أيلول الجاري، يبدا مختلفا مع تخصيص الحكومة الإسرائيلية المزيد من الميزانيات لتعليم اللغة العبرية وتنظيم أنشطة لا منهجية بالعبرية في المدينة.

وبلغ عدد سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي 965 ألف نسمة، بينهم 375 ألف فلسطيني أي حوالي 38.8% من السكان، بحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية في وسط 2022.

ومن بين الفلسطينيين، بلغت نسب مَن هم دون 34 عاما كما يلي: 0-14 سنة 36%، 14-19 سنة 12%، 20-24 سنة 10%، 25-29 سنة 8%، 30-34 سنة 6%.

ويشكو الفلسطينيون من أن الحكومة تعمل على احتواء شباب المدينة عبر تعليم العبرية، كخطوة نحو دمج المجتمع المقدسي في المجتمع الإسرائيلي.

رواية غير حقيقية
رئيس مؤسسة فيصل الحسيني (خاصة) عبد القادر الحسيني قال لوكالة الأناضول: "من الواضح أن الإسرائيليين بعد كل هذه السنوات فشلوا في أن يقللوا من عددنا أو أن يسيطروا علينا ثقافيا، وبالتالي فإنهم بدأوا بتغيير مسارهم باتجاه محاولة دمج الفلسطينيين المقدسيين".

وتابع أن "هذا يحتاج إلى عمل كثير في مجال الثقافة وغسيل الأدمغة، وهذا ما تفعله إسرائيل بدءا بطرح رواية مختلفة عن روايتنا الحقيقية (بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة) ومحاولة فرضها على مدارسنا".

ويقول المقدسيون إنه إضافة إلى محاولة فرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي على المدارس في القدس، تعيد إسرائيل طباعة المنهاج الدراسي الفلسطيني مع شطب كل ما يشير الى الرواية والهوية الفلسطينيتين منه ومحاولة فرضه على المدارس.

وترفض غالبية المدارس في المدينة توزيع هذه الكتب، ويطلق عليها الفلسطينيون اسم "المنهاج المحرف" .

وخلال الأشهر الماضية، وجّهت كل من البلدية الإسرائيلية في القدس ودائرة المعارف الإسرائيلية تهديدات إلى إدارات مدارس في المدينة بسحب تراخيص عملها في حال وزعت كتب المنهاج التعليمي الفلسطيني على الطلاب.

ومستنكرا، قال الحسيني: "يأتون برواية معادية لنا ولا تحكي تاريخنا الحقيقي وإنما تحكي عن تاريخ مزيف ويحاولون فرضها علينا".

وأضاف: "في المدارس الحكومية التابعة لإسرائيل، أدخلت حوالي 24 من أصل 100 مدرسة مساق المنهاج الإسرائيلي "الباجروت" وهناك أيضا 8 مدارس خاصة معظمها صغيرة أدخلت هذا المنهاج".

الحسيني استدرك: "ولكن معظم المدارس، بما فيها تلك التي تدار من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، تعّلم المنهاج التعليمي الفلسطيني "التوجيهي"".

أسرلة التعليم
ولا تخفي إسرائيل سعيها إلى فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس قي القدس الشرقية كخطوة نحو "الاندماج في المجتمع الإسرائيلي".

وفي اجتماع للجنة البرلمانية لبرامج التعليم بالقدس الشرقية في يوليو/ تموز الماضي، قال عضو الكنيست من حزب "هناك مستقبل" موشيه طور باز: " إذا قامت اللجنة بتشجيع هذا الاقتراح (فرض المنهاج الإسرائيلي)، فإن معظم سكان القدس الشرقية سيسعدون بتعلم المنهاج الإسرائيلي والاندماج بشكل ملائم في المجتمع الإسرائيلي".

وفي نهاية أغسطس/آب الماضي، أقرت الحكومة خطة خمسية للسنوات 2024 وحتى 2028 بقيمة 3.2 مليار شيكل (843 مليون دولار) لأسرلة التعليم وتنفيذ مشاريع استيطانية بالقدس الشرقية.

وتخصص الخطة ما لا يقل عن 800 مليون شيكل (209 ملايين دولار) لفرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي وبرامج اللغة العبرية في المدينة، بحسب نص الخطة التي اطلعت عليها الأناضول.

وآنذاك، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه من خلال الخطة "نغّير وجه القدس"، مضيفا: "نحن نعزز الحكم في القدس، نحن نوحد القدس".

وبموازاة ذلك، ازدادت بشكل ملحوظ في القدس الشرقية مراكز تعليم اللغة العبرية، وتم مؤخرا افتتاح مركز إسرائيلي لدراسات التكنولوجيا المتقدمة في وسط المدينة.

ويدرس القسم الأكبر من الطلاب الفلسطينيين في المدينة بالجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية أو الجامعات خارج الأراضي الفلسطينية وقسم أقل في الجامعات والمعاهد الإسرائيلية.

ولكن إسرائيل تشجع هؤلاء الطلاب على الدراسة في جامعاتها ومعاهدها، وتعتبر أن الطريق لذلك يبدأ بدراسة المنهاج الإسرائيلي في المدارس.

القوة العاملة الرئيسية
"بعد فشل طردنا من المدينة، فإنهم يلجأون إلى محاولة الاحتواء والدمج"، كما أضاف الحسيني.

وأردف: "ديمغرافية القدس الغربية هي في غالبيتها من اليهود المتدينين الذين لا يعملون في الكثير من الوظائف، ونحن في الجزء المحتل من المدينة، القدس الشرقية، القوة العاملة الرئيسية في المستقبل، وبالتالي من الممكن أن الإسرائيليين وجدوا أن من الضروري دمجنا شريطة أن نبقى في أدنى السلم الاقتصادي والاجتماعي".

الحسيني تابع أنه "من أجل ذلك نلاحظ أن هناك تعليم لغة عبرية ومحاولة فرض المنهاج".

وقال الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس (مؤسسة أهلية)، في بيان مؤخرا: "جزء كبير من ميزانية الخطة، حوالي 800 مليون شيكل، يذهب الى أسرلة وتهويد التعليم، حيث ربط دعم التعليم بتطبيق نظام التعليم الإسرائيلي من خلال زيادة عدد المدارس التي تستخدم نظام "الباجروت" وتدريس المنهاج الاسرائيلي وزيادة عدد الطلبة اللذين يدرسون ضمن المنهاج الإسرائيلي".

أما الحسيني فشدد على أن "هذه السياسة الإسرائيلية مبنية على أساس أمني، فحتى إدارة التعليم الإسرائيلية يديرها أناس مع خلفيات أمنية، وهي لن تجلب لا استقرار ولا سلام ولا هدوء، وإنما الكبت الشديد الذي سيولد في لحظة معينة الانفجار".

قلب الدولة الفلسطينية
وعبَّرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مرارا عن قلقها من تصاعد الاتجاه الوطني لدى الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاعتداءات على المسجد الأقصى.

وفي خطب الجمعة، يدعو خطباء المساجد الأهالي إلى الامتناع عن إرسال أبنائهم إلى المدارس التي تعلم المنهاج الإسرائيلي، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي يحذر نشطاء من هذا المنهاج.

وقال الحسيني: "لدينا مدارسنا ومؤسساتنا ومراكزنا، صحيح أنها تعاني بشكل كبير، ولكنها الضمانة الوحيدة لكي نحافظ على هويتنا وعلى روايتنا وعلى وجودنا وعلى طموحنا بأن نكون جزء لا يتجزأ وقلب الدولة الفلسطينية".

وزاد بأنه "إذا كان الإسرائيلي يريد أن يعمل الشيء الصحيح، فمن المفترض أنه بدلا من محاولة احتواء الفلسطيني بالقدس أن يحترم طموح الفلسطيني، فنحن نريد استقلالنا وأن نكون جزءا من الدولة الفلسطينية".

الحسيني أردف: "طالما أن هناك مخاوف، فهذا يعني أن هناك وعي، وهذا ما نعبر عنه من خلال الرسائل بأن على الناس أن يكونوا معتدين بثقافتهم ومتمسكين بحقهم في الحرية والاستقلال، فلقمة العيش مهمة، ولكن من حقك أيضا أن تحصل على استقلالك".

وتزعم إسرائيل أن القدس، بشطريها الشرقي والغربي، عاصمةً لها، بينما يتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمةً لدولتهم المأمولة، استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية التي لا تعترف باحتلال إسرائيل للمدينة عام 1967 ولا بضمها إليها في 1981.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس المحتلة / عبد الرؤوف أرناؤوط/ الأناضول