ماذا لو مات ترامب غدًا؟ تداعيات المشهد الفلسطيني والإسرائيلي وخريطة العلاقات الدولية

بقلم: احمد يوسف

احمد يوسف.jpg

بقلم: المستشار د. أحمد يوسف
قد يبدو السؤال صادمًا أو افتراضيًا، لكنه في جوهره سؤال سياسي وأخلاقي عميق: ماذا لو غاب دونالد ترامب فجأة عن المشهد؟ ليس بوصفه فردًا، بل باعتباره رمزًا لمرحلة اختلطت فيها السياسة بالاستعراض، والدبلوماسية بالوقاحة، والقانون الدولي بمنطق التاجر الذي يعتقد أن العالم صفقة قابلة للبيع والشراء.
لم يُخفِ ترامب يومًا استخفافه بالآخر، وقد بلغ هذا الاستخفاف ذروته في خطابه الشهير في منتدى دافوس، حيث ظهر كرجل فقد الصلة بالواقع وبالعالم من حوله؛ خطابٌ اتسم بالاستعلاء، والسخرية من الحلفاء، والتهكم على القيم المشتركة، وكأن العلاقات الدولية حلبة صراع لا مساحة تعايش. في ذلك المشهد، بدت السياسة العالمية وقد اختلط فيها الحابل بالنابل، وتحوّل رئيس أقوى دولة في العالم إلى خطيب يفتقد أبسط قواعد اللياقة السياسية وأخلاقيات التعايش بين الشعوب.
في السياق الفلسطيني، ارتبط اسم ترامب بأخطر سلسلة قرارات منذ عقود: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، نقل السفارة، وقف تمويل الأونروا، شرعنة الاستيطان، ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر ما سُمّي “صفقة القرن”. غيابه، إن حدث، لن يمحو آثار هذه القرارات، لكنه سيُسقط الراعي الأكثر فجاجة لها. بالنسبة إلى حركة حماس، لم يكن الصراع يومًا مع الأشخاص بل مع المشروع الداعم للاحتلال، غير أن غياب الغطاء الأمريكي الأشد وقاحة يفتح هامشًا أوسع لتعرية إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا ويُضعف سرديتها.
أما السلطة الفلسطينية، فستتعامل مع غياب ترامب باعتباره فرصة لإعادة فتح قنوات دبلوماسية أُغلقت قسرًا، وإحياء خطاب “حل الدولتين” الذي جرى تفريغه من مضمونه في عهده. غير أن هذه الفرصة ستبقى محدودة ما لم تُراجع السلطة أدواتها وخياراتها، وتدرك أن الرهان على الوسيط الأمريكي وحده أثبت فشله.
في إسرائيل، كان ترامب الحليف الذي حلم به اليمين المتطرف: رئيسًا يتبنى الرواية الإسرائيلية كاملة ويكافئها سياسيًا دون مساءلة. غيابه سيُحدث قلقًا داخل المؤسسة الإسرائيلية، ليس لأن الدعم الأمريكي سيتوقف، بل لأن مستوى الوقاحة في هذا الدعم قد يتراجع، وتعود إسرائيل – ولو جزئيًا – إلى حسابات أكثر حذرًا مع حلفائها الغربيين.
أوروبيًا، مثّل ترامب عبئًا ثقيلًا على منظومة القيم الغربية؛ سياساته قوّضت التعددية وهمّشت الحلفاء واحتقرت المؤسسات الدولية. غيابه يمنح أوروبا فرصة لاستعادة لغة التوازن والحديث عن القانون الدولي، لكنها فرصة مشروطة بقدرتها على الخروج من التبعية السياسية لواشنطن. أما الأمم المتحدة، التي لم تسلم من إهاناته وتهديداته، فقد تجد مجالًا لاستعادة بعض من اعتبارها، إن توفرت إرادة أمريكية حقيقية لا مجرد تغيير في الأسلوب.
يبقى السؤال الأهم داخل الولايات المتحدة: هل تنتهي الترامبية بموت ترامب؟ الأرجح لا بالضرورة. فترامب لم يكن حادثًا عابرًا، بل تعبيرًا عن انقسام أمريكي عميق وصعود شعبوية ترى في الآخر تهديدًا وفي المؤسسات عائقًا. قد يختفي الرجل، لكن التيار الذي مثّله سيظل حاضرًا بأسماء وأشكال أخرى.
بعض ما خرّبه ترامب يمكن إصلاحه أو تجميده، لكن بعض الأضرار بنيوية وعميقة: القدس خرجت عمليًا من دائرة التفاوض، والاستيطان ترسّخ، والثقة الأمريكية كوسيط نزيه تآكلت.
وفي النهاية، لا يمكن قراءة سؤال “ما بعد ترامب” بمعزل عن حرب الإبادة الجارية على قطاع غزة، تلك الحرب التي مثّلت الذروة الأكثر وحشية لمسار سياسي وأخلاقي بدأ قبل السابع من أكتوبر بسنوات. إن غياب ترامب، إن حدث، لن يوقف الإبادة، لكنه قد يُسقط الغطاء الأشد فجاجة عنها ويفتح كوةً في جدار الصمت الدولي لمساءلة إسرائيل. أما التحدي الحقيقي، فلا يكمن في سقوط الأشخاص، بل في كسر منطق الإفلات من العقاب، واستعادة الحد الأدنى من الإنسانية في التعاطي مع غزة، التي باتت اختبارًا أخلاقيًا صارخًا للنظام الدولي بأسره.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت