أثا رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، الأربعاء 17 يونيو/حزيران 2026، نقاشًا سياسيًا واسعًا بعد إعلانه، في مقابلة مع قناة i24NEWS الإسرائيلية، أنه لا يستطيع استبعاد احتمال إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، في وقت كشف فيه أن الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ “قريبًا جدًا”.
وجاءت تصريحات عبد الله خلال مقابلة أجرتها معه نيكول زيديك، مذيعة ومراسلة برنامج “الشرق الأوسط الآن” في النسخة الإنجليزية من قناة i24NEWS، وذلك على هامش زيارته الرسمية الأولى إلى إسرائيل، التي وُصفت بأنها تاريخية في مسار العلاقات بين الجانبين.
وقال عبد الله إن افتتاح أول سفارة لأرض الصومال في القدس يمثل امتدادًا طبيعيًا للعلاقة الناشئة بين الطرفين، معتبرًا أن السفارات تُفتتح عادة في عواصم الدول التي تعترف ببعضها بعضًا. وأضاف أن إسرائيل كانت الدولة الوحيدة التي استجابت لرسالة وجّهها في أيار/مايو 2025 إلى 193 دولة، طالبًا فيها الاعتراف بأرض الصومال.
وتأتي هذه الزيارة في سياق سياسي إقليمي حساس، إذ تسعى أرض الصومال منذ عقود إلى ترسيخ موقعها ككيان سياسي مستقل، في مقابل استمرار الخلاف بشأن وضعها القانوني الدولي. وتعد مسألة الاعتراف من أبرز القضايا التي تحكم علاقات هرجيسا الخارجية، لا سيما مع الدول التي ترى في موقع أرض الصومال على خليج عدن والقرن الإفريقي أهمية استراتيجية واقتصادية وأمنية.
وخلال المقابلة، رفض عبد الله وصف أرض الصومال بأنها منطقة انفصالية، مشددًا على أن بلاده أعلنت استقلالها في 26 حزيران/يونيو 1960، أي قبل خمسة أيام من إعلان استقلال الصومال. وقال إن هذا التاريخ يجعل أرض الصومال أقدم من الصومال وكينيا وأوغندا وإريتريا ونحو نصف دول القارة الإفريقية، مضيفًا: “نحن لسنا انفصاليين، لقد أصبحت بلادنا دولة ذات سيادة في 26 يونيو 1960”.
وفي ما يتعلق بطبيعة التعاون المنتظر مع إسرائيل، أوضح عبد الله أن مجالات الزراعة والمياه والصحة والتعاون الأمني تمثل أولويات فورية في المرحلة المقبلة. وكشف أن ثمانية أطفال من أرض الصومال يعانون أمراضًا قلبية سيتلقون علاجًا طبيًا في إسرائيل خلال ذلك الأسبوع، معتبرًا أن التعاون الصحي يمكن أن يشكل أحد المداخل العملية لبناء العلاقات الثنائية.

كما أشار إلى ميناء بربرة، الواقع في موقع استراتيجي على خليج عدن، بوصفه بوابة مهمة لإثيوبيا والدول الإفريقية غير الساحلية. وقال إن الميناء يحظى باهتمام متزايد من الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل ودول أخرى، بالنظر إلى قدرته على التحول إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
وتكتسب تصريحات عبد الله بشأن احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية مستقبلية أهمية خاصة في ظل التوترات المتواصلة في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية مع ملفات الملاحة والتجارة والأمن البحري. وعند سؤاله عن إمكانية أن تلعب أرض الصومال دورًا في مواجهة تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر، قال عبد الله إن بلاده لا تعد نفسها عدوًا لأي طرف، لكنها تحتفظ بحقها في الدفاع عن نفسها.
وأضاف أن أرض الصومال تسعى إلى الحصول على دعم دولي لتعزيز قدرات خفر السواحل، بما يتيح لها حماية سواحلها ومراقبة مجالها البحري، في ظل تزايد أهمية الممرات البحرية المحيطة بها بالنسبة للتجارة الدولية وحركة الطاقة.
ورغم حديثه عن احتمال الوجود العسكري الإسرائيلي في المستقبل، حرص عبد الله على إبقاء المسألة ضمن إطار الاحتمالات المفتوحة لا القرارات النهائية. ولم يعلن عن اتفاق محدد بشأن قاعدة عسكرية، بل قدم الأمر باعتباره خيارًا لا يمكن استبعاده ضمن مسار تطور العلاقات الأمنية والسياسية بين الجانبين.
وفي المقابل، تؤكد هرجيسا أن أولوياتها في المرحلة الحالية تتركز على توسيع الاعتراف الدولي، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وبناء شراكات في مجالات التنمية والأمن البحري والصحة والتكنولوجيا.
وقال عبد الله إن دولًا أخرى ستلحق بإسرائيل في الاعتراف بأرض الصومال، لكنه امتنع عن تسمية هذه الدول أو تحديد جدول زمني لذلك. واكتفى بالقول إن الاعتراف “قد يكون قريبًا”، في إشارة إلى اتصالات دبلوماسية قال إنها مستمرة مع أطراف دولية مختلفة.
ووجّه رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي رسالة إلى الدول التي لم تعترف بعد ببلاده، قال فيها: “يرجى الانضمام قبل فوات الأوان. من يأتي أولًا سيحظى بأفضل فرصة”. وتعكس هذه الرسالة رغبة هرجيسا في تحويل الاعتراف الإسرائيلي إلى نقطة انطلاق لمسار أوسع من الانفتاح الدولي.
ويرى مراقبون أن العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال تجمع بين اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية. فمن جهة، تسعى أرض الصومال إلى كسر عزلتها الدبلوماسية وتعزيز شرعيتها الدولية. ومن جهة أخرى، تنظر إسرائيل إلى موقعها الجغرافي باعتباره ذا أهمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، خصوصًا في ظل التوترات البحرية والتهديدات العابرة للحدود.
غير أن هذا التقارب قد يثير حساسيات إقليمية، لا سيما لدى الأطراف التي ترفض الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، وتعدها جزءًا من الصومال. كما أن أي تعاون عسكري محتمل، ولا سيما إذا تطور إلى وجود ميداني أو قاعدة عسكرية، قد يفتح الباب أمام ردود فعل سياسية وأمنية من قوى إقليمية معنية بملف البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وبينما تواصل أرض الصومال تقديم نفسها كشريك مستقر في منطقة مضطربة، تبدو علاقتها المتنامية مع إسرائيل مرشحة لأن تصبح أحد الملفات السياسية البارزة في القرن الإفريقي، سواء من زاوية الاعتراف الدبلوماسي أو من زاوية التنافس على الموانئ والممرات البحرية والتعاون الأمني.
وفي انتظار ما ستكشفه المرحلة المقبلة من خطوات عملية، تبقى تصريحات عبد الله مؤشرًا على انتقال العلاقة بين الجانبين من مستوى الاعتراف والرمزية الدبلوماسية إلى البحث في ملفات أوسع، تشمل الطيران المباشر، والاستثمار، والصحة، والأمن، وربما ترتيبات عسكرية مستقبلية لم تُحسم بعد.
