كشفت مصادر دبلوماسية غربية عن توجه أميركي لتفعيل خطة بديلة بشأن قطاع غزة، تقوم على إنشاء مناطق سكنية وإدارية «تجريبية» في مواقع تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وتتولى إدارتها لجنة تكنوقراط فلسطينية، في ظل تعثر المفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حركة «حماس».
وقالت المصادر لقناة «الشرق» إن مسؤولين في الإدارة الأميركية عقدوا، قبل أيام، اجتماعًا غير معلن في قبرص مع رئيس لجنة إدارة غزة الفلسطينية علي شعث وعدد من أعضاء اللجنة التابعة لـ«مجلس السلام»، لبحث الفرص والسيناريوهات والعقبات التي تواجه ترتيبات المرحلة المقبلة في القطاع.
وبحسب المصادر، خلص المشاركون في الاجتماع إلى صعوبة التوصل، في الوقت الراهن، إلى اتفاق بين إسرائيل وحركة «حماس» بشأن ملفي نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، ما دفع واشنطن إلى إعطاء الأولوية لما يطلق عليه «الخطة ب».
مناطق تجريبية وقوات دولية
وتقوم الخطة الأميركية، وفق ما نقلته «الشرق»، على دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى مناطق تجريبية تنسحب منها القوات الإسرائيلية، بالتزامن مع نشر قوات دولية وعناصر من جهاز شرطة فلسطيني جديد تعمل اللجنة على تأسيسه.
وتشمل الخطة إقامة تجمعات سكنية جديدة، يرجح أن تعتمد على منازل متنقلة وجاهزة، مزودة بمولدات تعمل بالطاقة الشمسية، إلى جانب إنشاء شبكات للطرق والمياه والصرف الصحي.
وتراهن الجهات الداعمة للخطة على أن توفر مشروعات إنشاء التجمعات السكنية فرص عمل للعمال والمهنيين العاطلين عن العمل في قطاع غزة، في ظل الارتفاع الحاد في معدلات البطالة جراء الحرب والدمار الواسع.
وقالت المصادر إن لجنة إدارة غزة بدأت بالفعل تلقي طلبات الانتساب إلى جهاز الشرطة الجديد، بعد فتح باب التسجيل في وقت سابق.
رهان على النازحين
وبحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، تعول الخطة على انتقال النازحين الذين فقدوا منازلهم أو أجبروا على مغادرتها إلى التجمعات الجديدة، مقابل توفير السكن والمياه والعمل والخدمات الأساسية.
وأوضحت المصادر أن أصحاب المقترح يعتقدون أن الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها نحو مليون ونصف مليون نازح قد تدفعهم إلى قبول الانتقال إلى هذه المناطق، في ظل غياب البدائل السكنية والاقتصادية.
كما تراهن واشنطن، وفق المصادر، على عدم قدرة حركة «حماس» على منع سكان القطاع من الانتقال إلى تلك المناطق، طالما لا تستطيع توفير بدائل لهم من حيث السكن والغذاء وفرص العمل.
ومن المقرر، بحسب التصور المطروح، بدء العمل التجريبي في مدينة رفح المدمرة، على أن يشمل لاحقًا إنشاء مدارس ومستشفيات ومرافق خدمية داخل التجمعات الجديدة.
انقسام داخل لجنة إدارة غزة
وذكرت «الشرق» أن علي شعث عقد اجتماعًا مع أعضاء لجنة إدارة غزة المقيمين في القاهرة، عقب عودته من قبرص، وأطلعهم على التوجه الجديد لدى الإدارة الأميركية و«مجلس السلام».
وقالت مصادر مطلعة إن أعضاء اللجنة انقسموا بين مؤيد للخطة ومتحفظ عليها، إذ أعرب عدد منهم عن مخاوف من المضي في ترتيبات لا تحظى بإجماع وطني فلسطيني.
ونقلت مصادر قريبة من الأعضاء المعارضين قولهم إن تنفيذ الخطة يجب أن يسبقه توافق بين القوى السياسية الفلسطينية الرئيسية، تفاديًا لتحول اللجنة إلى طرف في ترتيبات أحادية الجانب.
في المقابل، نقلت المصادر عن شعث قوله إنه «لا مفر أمام اللجنة من بدء العمل وعدم الانتظار إلى ما لا نهاية»، داعيًا إلى العمل في المناطق المتاحة دون التسليم بالخطوط الملونة المفروضة حاليًا على خريطة قطاع غزة.
خطوط الانتشار والسيطرة
وحددت خرائط وقف إطلاق النار عدة خطوط لتنظيم انتشار القوات الإسرائيلية وحركة السكان والسلع، إذ يشير الخط الأخضر إلى المناطق المسموح للنازحين بالعودة إليها، فيما يحدد الخط الأصفر مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي، ويمثل الخط الأحمر مواقع تمركز القوات والمناطق العازلة.
وبحسب ما أوردته «الشرق»، وسعت إسرائيل نطاق سيطرتها في قطاع غزة من نحو 50 في المئة إلى قرابة 70 في المئة، وسط تصريحات إسرائيلية بشأن مواصلة التوسع الميداني والضغط على حركة «حماس».
عقبتا التمويل والأمن
وقالت المصادر إن التمويل والأمن يمثلان أبرز العقبات أمام تنفيذ الخطة، إذ تحتاج المراحل الأولى إلى مئات الملايين من الدولارات، بينما قد تتطلب المراحل اللاحقة مليارات الدولارات.
وتسعى الإدارة الأميركية، بحسب المصادر، إلى تمويل جزء من الخطة من أموال المقاصة الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، والمقدرة بنحو ستة مليارات دولار.
ورجحت المصادر أن توافق الحكومة الإسرائيلية، استجابة لطلب أميركي، على الإفراج عن جزء من هذه الأموال وتحويله إلى لجنة إدارة غزة و«مجلس السلام».
أما العقبة الثانية فتتعلق بتشكيل قوات الاستقرار الدولية، إذ أبدت بعض الدول استعدادها للمشاركة، بينما اشترطت دول أخرى التوصل إلى اتفاق واضح بشأن الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات السلاح قبل إرسال قواتها.
مفاوضات القاهرة تراوح مكانها
وتتواصل في القاهرة مباحثات بين الوسطاء وحركة «حماس» وممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، تتركز على ملفي السلاح والانسحاب الإسرائيلي.
وقالت المصادر إن المباحثات أحرزت تقدمًا محدودًا بعد إبداء «حماس» استعدادها لتسليم السلاح الهجومي الثقيل إلى لجنة إدارة غزة لتخزينه، إلا أن إسرائيل رفضت العرض وتمسكت بنزع كامل للسلاح والمظاهر العسكرية.
واستبعدت المصادر تحقيق تقدم جوهري قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في ظل غياب مؤشرات إلى تغير الموقف الإسرائيلي بعد تشكيل الحكومة المقبلة.
«حماس»: خطة أحادية لإعادة هندسة المجتمع
من جهتها، رفضت حركة «حماس» تنفيذ ترتيبات أحادية الجانب في قطاع غزة.
وقال مسؤول في الحركة لـ«الشرق» إن الحركة علمت باجتماع قبرص وبالتوجه الأميركي لإقامة ما وصفه بـ«الجزر الإنسانية»، معتبرًا أن الخيار غير واقعي ويتطلب موافقة وطنية فلسطينية غير متوافرة حاليًا.
وأضاف أن التوجه الأميركي يهدف، من وجهة نظر الحركة، إلى إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني عبر أنظمة جديدة في مجالات التعليم والإسكان والاقتصاد لا تنسجم مع طبيعة المجتمع في غزة.
وأشار المسؤول إلى أن الحركة تجري اتصالات مع القوى الفلسطينية للتوصل إلى موقف وطني موحد، وأنها طلبت من روسيا عقد لقاء بين حركتي «فتح» و«حماس» لبحث عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وتوليها المسؤولية الكاملة.
وأبدى استعداد الحركة لمعالجة ملف السلاح في إطار عودة السلطة الفلسطينية، على أن تكون مسؤولة عن الأمن والمال والتعليم والصحة وإعادة الإعمار.
السلطة تحذر من استخدام أموال المقاصة
في المقابل، أكد مسؤولون في السلطة الفلسطينية لـ«الشرق» علمهم باجتماع قبرص ومخرجاته، معربين عن قلقهم من تمويل الخطة على حساب أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل.
وقال مسؤول فلسطيني إن إسرائيل تحتجز نحو 18 مليار شيكل من الإيرادات الجمركية الفلسطينية، أي ما يقارب ستة مليارات دولار، مشيرًا إلى أن الجانب الأميركي طلب موافقة السلطة على تحويل مليار دولار منها إلى «مجلس السلام»، ونصف مليار دولار إلى مكتب ملادينوف تحت عنوان البدء بإعادة الإعمار.
وحذر المسؤول من استخدام الأموال الفلسطينية في تنفيذ الخطة، في ظل عدم وجود تعهدات دولية كافية بتمويل إعادة إعمار قطاع غزة.
وأكد أن السلطة الفلسطينية ترغب في العودة الفورية إلى القطاع، لكنه قال إن إسرائيل تعارض وجودها هناك، معتبرًا أن العقبة الرئيسية أمام ذلك تتمثل في الموقف الإسرائيلي.
وأضاف أن إسرائيل لم تنفذ التزامات المرحلة الأولى من خطة غزة، ووسعت بدلًا من ذلك نطاق سيطرتها في القطاع، في وقت لا تزال فيه مشاركة الدول في تمويل إعادة الإعمار أو قوات الاستقرار الدولية محدودة وغير محسومة.
