تحقيقات في غزة تكشف شبكة رصد سبقت العملية بأشهر واعتقال عشرات المشتبه بهم... والإعلام العبري: قوة خاصة من «الشاباك» نفذت المهمة والعرابيد يقدّم معلومات «مهمة وحيوية» خلال التحقيق
كشفت مصادر مطلعة في حركة «حماس» تفاصيل جديدة بشأن العملية الإسرائيلية النادرة التي أفضت، الثلاثاء 1 سبتمبر (أيلول) 2026، إلى اختطاف المسؤول الأمني معين العرابيد من منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، في عملية نفذتها قوة خاصة وسط غطاء جوي كثيف.
وأسفرت العملية، وفق المصادر، عن استشهاد زوجته سماح العرابيد وإصابة عدد من أبنائه ومرافقيه، إلى جانب استشهاد طفلين كانا في محيط المنطقة وقت الاشتباكات والغارات التي رافقت انسحاب القوة.
وفي موازاة التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية في غزة، كشفت وسائل إعلام عبرية مزيداً من التفاصيل، مؤكدة أن القوة التي نفذت عملية الاعتقال تتبع مباشرة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، فيما تولى الجيش الإسرائيلي توفير الغطاء الجوي وتأمين مسار الانسحاب. وقالت تقارير إسرائيلية إن الجهاز ظل يتعقب العرابيد فترة طويلة، ودرس تحركاته وروتينه اليومي قبل تحديد ما وصفته بـ«نقطة الضعف» التي أتاحت تنفيذ العملية.
غطاء إغاثي قبل العملية
وبحسب مصادر مطلعة على التحقيقات في غزة، بدأت التحضيرات الأمنية للعملية قبل نحو شهرين، عندما انتحل أشخاص مرتبطون بجهاز «الشاباك»، وفق نتائج التحقيق الأولية، صفة مؤسسة إغاثية دولية تزعم تقديم الدعم للفلسطينيين من خلال تمويل مشاريع صغيرة، من بينها بسطات لبيع الخضار والمشروبات في شارع «الفلل» بمنطقة الكتيبة غرب مدينة غزة.
وتقول المصادر إن القائمين على المشروع استعانوا بفلسطينيين، بينهم نساء، لتشغيل تلك البسطات، مع توفير الخضار بصورة يومية على أنها مساعدات، على أن تعود حصيلة المبيعات إلى المستفيدين.
لكن طبيعة النشاط، وفق التحقيقات، تغيرت تدريجياً، إذ طُلب من بعض العاملين رصد منازل وتحركات أشخاص في المنطقة وتوثيق مواقع محددة، وكان العرابيد من بين الشخصيات التي تركز عليها عمليات المتابعة.
وبعد وقوع العملية، اشتبه المحققون في أن عدداً من القائمين على المشروع كانوا يعملون لمصلحة الاستخبارات الإسرائيلية، فيما تقول المصادر إن بعض المتعاونين ربما لم يكونوا على علم بالهدف النهائي للعملية أو بهوية الشخص المراد اعتقاله.
عناصر جديدة و«بسطات» لإخفاء السلاح
وتفيد التحقيقات بأن أشخاصاً لم يسبق أن شوهدوا في المنطقة ظهروا يوم العملية قرب عدد من بسطات الخضار، في حين وصل آخرون قبل ذلك بيوم على الأقل.
وبحسب المصادر، تبين لاحقاً أن بعض هؤلاء كانوا جزءاً من القوة المنفذة، وأن معدات وأسلحة أخفيت داخل مواقع البيع قبل استخدامها عند بدء الهجوم، ثم انسحب المشاركون بعد انتهاء المهمة.
وفي المقابل، لم تؤكد الجهات الإسرائيلية رواية انتحال صفة مؤسسة إغاثية دولية. أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» وموقعها «Ynet» فنقلا، استناداً إلى المعلومات المنشورة عن الجانب الفلسطيني، أن القوة استخدمت مركبات للتمويه، بينها شاحنة أو مركبة لنقل الخضار و«فان» أبيض، وأن مركبة وصلت إلى المنطقة قبل العملية بنحو يومين لأغراض مرتبطة بجمع المعلومات الميدانية.
مراقبة طويلة ووجود ميداني محدود
وتشير المصادر إلى أن عناصر القوة الإسرائيلية نفسها لم تمكث بصورة دائمة في المنطقة خلال الأسابيع السابقة، بل نفذت على الأرجح زيارات خاطفة لتكوين صورة ميدانية قبل التنفيذ، مع الاعتماد بصورة أساسية على المعلومات التي وفرتها شبكة المتعاونين.
وتفيد التحقيقات بأن بعض الأشخاص قاموا بتصوير مواقع وتحركات بناء على طلب مشغليهم الإسرائيليين.
وتتقاطع هذه الرواية جزئياً مع ما نشره الإعلام العبري؛ إذ ذكرت «Ynet» أن «الشاباك» راقب العرابيد فترة طويلة، ورسم تفاصيل روتينه ونقاط تحركه، إلى أن توصل إلى التوقيت والموقع المناسبين للعملية. وأشارت إلى أن مركبة مرتبطة بالقوة كانت موجودة في المنطقة قبل التنفيذ، ثم جرى تدميرها خلال مرحلة الانسحاب، بحسب الرواية التي نقلتها الصحيفة.
لحظة الصفر والاشتباك
وبحسب الرواية التي قدمتها مصادر «حماس»، بدأت المواجهة عندما حاولت القوة مباغتة العرابيد قرب منزله أثناء وجوده برفقة أحد مرافقيه.
وتقول المصادر إن تبادلاً لإطلاق النار وقع سريعاً، شارك فيه مرافقون وأفراد من عائلته، فيما أصيب العرابيد خلال الاشتباك. كما تحدثت المصادر عن استخدام قنبلة ألقتها طائرة مسيّرة صغيرة باتجاه المنزل.
وأدى الاشتباك إلى استشهاد زوجته وإصابة عدد من أبنائه، أحدهم بجروح خطيرة، فيما أصيب مرافقون وأفراد آخرون من الأسرة.
وتفيد التحقيقات بأن العرابيد حاول الانسحاب من الجهة الخلفية للمنزل بعد إصابته، لكنه فوجئ بمجموعة ثانية كانت تؤمّن المنطقة، قبل أن تتم مطاردته والسيطرة عليه ونقله من الموقع.
وتتوافق صور ومقاطع جرى تداولها من المكان مع جزء من تسلسل الأحداث؛ إذ ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن تسجيلات أظهرت رجلاً يُعتقد أنه العرابيد يزحف قرب موقع الاشتباك قبل وصول مركبة «فان» وإطلاق النار من داخلها.
لماذا نفت العائلة اختطافه في البداية؟
تقول المصادر إن الالتباس الذي ساد في الساعات الأولى عقب العملية يعود إلى اعتقاد أفراد من عائلة العرابيد بأنه تمكن من الفرار بعد الاشتباك.
وبحسب أحد المصادر، أكد نجله في البداية أن والده غادر المكان، في وقت لم تكن العائلة تعلم بوجود مجموعة إسرائيلية ثانية خلف المنزل تمكنت من الوصول إليه أثناء محاولته الانسحاب.
وتشير التحقيقات إلى أن عناصر القوة تفقدوا عدداً من المصابين خلال الاشتباك بحثاً عن العرابيد، قبل العثور عليه في شارع خلفي ونقله إلى خارج المنطقة.
الرواية الإسرائيلية: «الشاباك» نفذ العملية
وبخلاف تقارير أولية تحدثت عن تنفيذ العملية بواسطة مجموعات فلسطينية مسلحة تعمل بالتنسيق مع إسرائيل، أكدت الرواية الرسمية الإسرائيلية لاحقاً أن عناصر خاصة تابعة لـ«الشاباك» هي التي نفذت الاقتحام والاعتقال مباشرة.
وذكرت «Ynet» أن العملية استمرت ساعات تحت قيادة «الشاباك» والقيادة الجنوبية، وأن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ ضربات في محيط المنطقة بهدف إبعاد مصادر التهديد وتأمين القوة أثناء الانسحاب، مشيرة إلى عدم وقوع إصابات في صفوف القوة الإسرائيلية.
كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن العرابيد كان من كبار المسؤولين في «حماس»، وزعم أنه اضطلع بأدوار مرتبطة بإخفاء ونقل رهائن إسرائيليين وتأمين مسؤولين في الحركة والمشاركة في جهود إعادة بناء قدراتها وإعادة فرض سيطرتها في قطاع غزة. ولم تقدم إسرائيل أدلة علنية مستقلة تثبت جميع هذه الاتهامات.
أحدث المعلومات العبرية: «كنز استخباري»
وفي أحدث تطور، أفادت تقارير عبرية مساء الخميس وصباح الجمعة 4 سبتمبر بأن التحقيق مع العرابيد بدأ بالفعل داخل إسرائيل.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين أمنيين وصفهم العرابيد بأنه «كنز استخباري»، وقالوا إن المعلومات التي قدمها حتى الآن تتعلق، وفق زعمهم، بمخازن أسلحة وبنية تحتية تابعة لـ«حماس»، ووصفوا ما تم الحصول عليه بأنه «مهم وحيوي».
وذكرت تقارير نقلاً عن «القناة 12» الإسرائيلية أن المسؤولين الأمنيين يعتقدون أنه يتعاون خلال التحقيق، إلا أن هذه الرواية تستند إلى مصادر أمنية إسرائيلية ولم يصدر تأكيد مستقل بشأن طبيعة إفاداته أو ظروف التحقيق معه.
وتفسر هذه المعطيات، وفق القراءة الإسرائيلية، قرار اعتقال العرابيد حياً بدلاً من استهدافه من الجو، إذ تعتقد أجهزة الأمن الإسرائيلية أنه يمتلك معلومات واسعة عن جهاز الأمن الداخلي وشبكات مكافحة التجسس، إضافة إلى تحركات مسؤولين وبنى تنظيمية وأمنية داخل القطاع.
اعتقال عشرات المشتبه بهم في غزة
وفي المقابل، كثفت الأجهزة الأمنية في غزة تحقيقاتها لكشف شبكة المساعدة التي يُشتبه بأنها مهدت للعملية.
وبحسب أحد المصادر، جرى توقيف ما لا يقل عن 36 شخصاً للاشتباه في تقديم معلومات أو تسهيلات للقوة الإسرائيلية، فيما أقر بعضهم، وفق المصدر ذاته، بوجود اتصالات مع الجانب الإسرائيلي، ولا تزال التحقيقات مستمرة لتحديد مستوى معرفة كل منهم بالعملية.
كما تحدثت منصة «الحارس» الأمنية في غزة عن توقيف ثلاثة متهمين، بينهم امرأة، قالت إنهم استخدموا غطاء مؤسسة إغاثية لتسهيل الحركة وجمع المعلومات.
وتقول الرواية التي نشرتها المنصة إن القوة المنفذة وصلت إلى مسرح العملية قبل ساعات من تنفيذها، وإن الاشتباك الذي اندلع اضطرها إلى طلب دعم جوي إسرائيلي لتأمين الانسحاب.
محاولة اختطاف ثانية في خان يونس
وجاء الكشف عن تفاصيل عملية العرابيد بالتزامن مع إعلان «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، إحباط محاولة قالت إنها استهدفت اختطاف أحد عناصرها فجر الجمعة في منطقة شارع الجميزة ببلدة القرارة شمال شرقي خان يونس.
وقالت «السرايا» إن مجموعة مسلحة تقدمت إلى المنطقة بمساندة طائرات إسرائيلية مسيّرة، قبل اكتشافها واندلاع اشتباكات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف المجموعة، بحسب روايتها.
وأضافت أن الطائرات الإسرائيلية تدخلت لتغطية الانسحاب، فيما عُثر لاحقاً على عنصر «سرايا القدس» فادي العبادلة شهيداً.
وقال مصدر ميداني إن العبادلة وصل إلى مجمع ناصر الطبي مكبل اليدين، وهو ما أثار شبهات لدى الجهات التي تحقق في الحادث بأنه وقع في قبضة المجموعة لفترة قبل استشهاده.
ولا تزال تفاصيل هذه الواقعة قيد التحقيق، ولم تتوفر حتى الآن رواية إسرائيلية تفصيلية مستقلة تؤكد ملابسات محاولة الاختطاف المعلنة.
وتعيد العمليتان إلى الواجهة نمط العمليات السرية داخل قطاع غزة، ولا سيما مع تأكيد الجانب الإسرائيلي أن عملية العرابيد نُفذت بقوة خاصة من «الشاباك» في عمق مدينة غزة، في تطور قد يشير إلى عودة أدوات الاعتقال وجمع المعلومات الميدانية إلى جانب سياسة الاغتيالات والغارات الجوية.
