إعلام عبري: وثائق جديدة تعيد فتح ملف تحذيرات ما قبل 7 أكتوبر وتراجع مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة

انتقد نتنياهو التحقيقات قائلاً: الرأي العام لا يصدق الأكاذيب (صورة: رويترز)

وثائق ما قبل 7 أكتوبر تلاحق نتنياهو.. أولوية للتهدئة والتطبيع السعودي وتحذيرات من تراجع غير مسبوق لمكانة إسرائيل بأميركا

كشفت وسائل إعلام عبرية عن وثائق ومحاضر لاجتماعات أمنية عقدها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الأيام الأخيرة التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تظهر أن توجه القيادة السياسية الإسرائيلية في تلك المرحلة انصب على منع التصعيد في قطاع غزة والحفاظ على الهدوء، في وقت تتوالى فيه تقارير إسرائيلية عن تحذيرات ومؤشرات سبقت الهجوم ولم تؤد إلى تغيير جوهري في التقديرات الأمنية.

وتتزامن هذه الكشوف مع تصاعد نقاش داخلي إسرائيلي مختلف، يتعلق بمكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي ومستقبل علاقتها مع واشنطن، إذ حذرت صحيفة «هآرتس» في افتتاحية نشرتها في 25 سبتمبر/أيلول 2026 من أن الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة يشهد تراجعاً واسعاً، وحمّلت حكومة نتنياهو مسؤولية جانب كبير من هذا التحول، وهو تقييم سياسي للصحيفة وليس حقيقة متفقاً عليها داخل إسرائيل.

وثيقتان قبل 7 أكتوبر: الأولوية كانت «احتواء التصعيد»

وبحسب القناة 13 العبرية، تكشف وثيقتان تتعلقان بآخر اجتماعات نتنياهو الأمنية قبل هجوم 7 أكتوبر أن التعليمات الصادرة عن المستوى السياسي ركزت على تجنب الانجرار إلى تصعيد واسع في قطاع غزة.

وتعود الوثيقة الأولى إلى 27 سبتمبر/أيلول 2023، أي قبل الهجوم بعشرة أيام، وتشير، بحسب القناة، إلى أن نتنياهو قرر العمل على «احتواء التصعيد وتقليصه»، مع استخدام القوة بصورة مدروسة ومنضبطة.

ونقلت القناة عن محضر الاجتماع أن نتنياهو تحدث عن الاحتجاجات والمواجهات التي كانت تشهدها المنطقة الحدودية مع قطاع غزة في تلك الفترة، ودعا إلى تشديد الرسائل والإجراءات تجاه إطلاق البالونات الحارقة، وفي الوقت نفسه توسيع اللجوء إلى ما وصف بـ«التسهيلات الإنسانية» باعتبارها إحدى الأدوات المستخدمة لمحاولة تثبيت الهدوء.

أما الوثيقة الثانية فتعود إلى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي قبل الهجوم بستة أيام فقط، وتظهر أن احتمال التوصل إلى اتفاق تطبيع مع السعودية كان حاضراً بقوة في حسابات المستوى السياسي الإسرائيلي.

وبحسب المحضر الذي نُشرت أجزاء منه في تقارير إسرائيلية، شدد نتنياهو خلال الاجتماع على أن إسرائيل تقف أمام احتمال التوصل إلى اتفاق تاريخي مع السعودية، وأن المطلوب لذلك هو الحفاظ على مستوى «مدروس» من النشاط الأمني ومنع انتقال الساحات المختلفة إلى مواجهة واسعة.

وأكدت تقارير إسرائيلية أخرى تناولت المحضر نفسه أن نتنياهو تحدث في اجتماع الأول من أكتوبر عن ضرورة العمل بشكل «متوازن» من أجل «تبريد الساحات» ومنع التصعيد، فيما طُرحت خلال الاجتماع اقتراحات أمنية بشأن عمليات هجومية ضد قيادات في حركة حماس.

الوثائق الكاملة لآخر اجتماعين عقدهما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عشية مجزرة 7 أكتوبر 2023.jpg


مقترحات لضرب قيادات حماس.. ونتنياهو يفضّل الحفاظ على الهدوء

وتكتسب الوثائق الجديدة أهمية إضافية في ضوء معلومات نشرتها صحف إسرائيلية وأمريكية، تفيد بأن مسؤولين أمنيين إسرائيليين طرحوا خلال اجتماع الأول من أكتوبر إمكانية تنفيذ عمليات استباقية ضد مسؤولين في حركة حماس، على خلفية نشاط الحركة في الضفة الغربية ومؤشرات أمنية أخرى.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» ونقلته وسائل إعلام إسرائيلية في 25 سبتمبر/أيلول، أبدى نتنياهو تحفظاً على اتخاذ خطوات عسكرية واسعة في غزة في تلك المرحلة، محذراً من أن التصعيد يمكن أن يضر بالمسار الدبلوماسي الهادف إلى التوصل إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية.

ووفق المحاضر التي استند إليها التقرير، لم تكن الفكرة الإسرائيلية في تلك المرحلة تقوم على أن قطاع غزة يقف على أعتاب هجوم واسع، بل على إدارة الوضع ومنع انفجار الساحة، بالتوازي مع استخدام الأدوات المدنية والاقتصادية والإنسانية للحفاظ على الاستقرار.

وكانت تقارير إسرائيلية سابقة قد كشفت أن نتنياهو وجه في اجتماع الأول من أكتوبر إلى الدفع بترتيبات مدنية مع حماس وتوسيع استخدام الأدوات الإنسانية باعتبارها وسيلة للتأثير على سياسة الحركة، مع الطلب في الوقت نفسه من الأجهزة الأمنية مواصلة الاستعداد لخيارات عملياتية واقتراح عمليات اغتيال إذا دعت الحاجة.

تحذير إماراتي مثير للجدل

وتأتي هذه الوثائق في خضم جدل إسرائيلي متزايد حول معلومات استخبارية وتحذيرات قيل إنها وصلت إلى إسرائيل في الأسابيع السابقة لهجوم السابع من أكتوبر.

وكانت «هآرتس» قد نشرت في 8 سبتمبر/أيلول تحقيقاً قالت فيه إن رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد أجرى اتصالاً مع نتنياهو في أواخر سبتمبر/أيلول 2023، ونقل إليه تحذيراً يتعلق بإمكان إقدام حماس على خطوة عسكرية كبيرة.

وقالت الصحيفة إن التحذير لم يصل، وفق شهادات مسؤولين سابقين، إلى رؤساء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بالصورة التي عُرض بها على نتنياهو. ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية لاحقاً تفاصيل إضافية، فيما أكد مصدر إماراتي مطلع على الاتصال لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» حصول المكالمة والتحذير.

لكن مكتب نتنياهو نفى الرواية بصورة قاطعة، وقال إن رئيس الحكومة لم يتلق تحذيراً من هذا النوع، كما أعلن نتنياهو اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد «هآرتس» بسبب التقرير. وبالتالي تبقى مسألة مضمون التحذير وما إذا كان نقل مباشرة إلى نتنياهو موضع خلاف بين رواية مكتب رئيس الحكومة والمصادر التي استندت إليها التقارير الصحفية.

وفي تطور لاحق، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن ثلاثة مصادر إماراتية قولها إن أجهزة الاستخبارات الإماراتية كانت قد مررت في سبتمبر/أيلول 2023 معلومات إلى جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» بشأن احتمال قيام حماس بعمل عنيف قبل نهاية الشهر، وأن اتصال محمد بن زايد بنتنياهو جاء، وفق رواية القناة، للتأكد من وصول المعلومات والتعامل معها.

في المقابل، قال مسؤول إماراتي رداً على التقارير إن الإمارات تتعامل مع المسائل الأمنية والاستخبارية عبر القنوات والجهات المختصة، وإن مثل هذه التفاصيل لا تناقش عادة على مستوى قادة الدول، من دون أن يصدر نفي إماراتي مباشر لكل مضمون التقارير المنشورة.

محضر الأول من أكتوبر لا يتضمن الإشارة إلى التحذير

وأعاد نشر تفاصيل محضر اجتماع الأول من أكتوبر طرح سؤال داخل إسرائيل بشأن ما إذا كانت المعلومات المتداولة عن التحذير الإماراتي قد عُرضت على كبار المسؤولين الأمنيين.

وبحسب تقارير إسرائيلية حديثة، لا يتضمن محضر الاجتماع إشارة إلى أن نتنياهو أطلع المشاركين على التحذير المنسوب إلى الرئيس الإماراتي، رغم أن الاجتماع ضم مسؤولين بارزين في المؤسسة الأمنية.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، وفق تقارير عبرية، عن مسؤولين إسرائيليين سابقين قولهم إن المعلومات المتعلقة بالتحذير لم تصل إليهم، بينما أظهر المحضر أن النقاش ركز بدلاً من ذلك على كيفية إبقاء غزة هادئة وعدم اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى تصعيد ينعكس على مسار التطبيع مع السعودية.

ولا تثبت هذه الوثائق بحد ذاتها أن القيادة الإسرائيلية كانت تمتلك معلومات تفصيلية عن طبيعة هجوم 7 أكتوبر أو حجمه وتوقيته؛ فالتقارير المتعلقة بالتحذير الإماراتي نفسها تشير إلى أنه كان عاماً ولم يحدد، بحسب بعض الروايات، ما إذا كانت حماس تعتزم إطلاق صواريخ أو تنفيذ هجوم بري. إلا أن نشرها أعاد النقاش بشأن كيفية تجميع المؤشرات المتفرقة وتقييمها داخل المستويين السياسي والأمني الإسرائيليين في الأسابيع السابقة للهجوم.

من إخفاقات ما قبل 7 أكتوبر إلى الأزمة مع واشنطن

وبالتوازي مع الجدل بشأن الأيام السابقة لهجوم 7 أكتوبر، فتحت صحيفة «هآرتس» ملفاً آخر يتعلق بطريقة إدارة نتنياهو للعلاقة مع الولايات المتحدة، معتبرة أن إسرائيل تواجه تراجعاً غير مسبوق في صورتها لدى شرائح متزايدة من الجمهور الأمريكي.

وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن التحذيرات من تآكل مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة ليست جديدة، وربطت بدايات التحول، من وجهة نظرها، بالخلافات التي نشبت بين نتنياهو وإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وخصوصاً خطابه أمام الكونغرس عام 2015 ضد الاتفاق النووي الإيراني.

ورأت «هآرتس» أن اقتراب نتنياهو السياسي من الحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب على مدار السنوات التالية ساهم في تعميق التراجع في مكانة إسرائيل داخل أوساط الحزب الديمقراطي، قبل أن تظهر، بحسب الصحيفة، مؤشرات على اتساع الانتقادات في أوساط جمهورية أيضاً. وهذه استنتاجات تحريرية تتبناها الصحيفة وليست تقييماً محايداً متفقاً عليه.

استطلاعات تظهر تغيراً واسعاً في المزاج الأمريكي

غير أن التحول في الرأي العام الأمريكي الذي تشير إليه الصحيفة تدعمه بالفعل مجموعة من الاستطلاعات الحديثة.

وأظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث بين 23 و29 مارس/آذار 2026 أن 60% من البالغين الأمريكيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 37% ينظرون إليها بإيجابية. وكان أصحاب النظرة السلبية يشكلون 53% في ربيع 2025، ما يعكس تراجعاً إضافياً خلال عام واحد.

وأظهر الاستطلاع نفسه أن 59% من الأمريكيين قالوا إن ثقتهم بنتنياهو قليلة أو معدومة في ما يتعلق بالشؤون الدولية، مقابل 27% أعربوا عن ثقة به، كما سجلت المواقف الأكثر سلبية تجاه إسرائيل ونتنياهو خصوصاً بين الفئات العمرية الأصغر.

وفي سبتمبر/أيلول، أظهرت نتائج استطلاع آخر تناولته «هآرتس» أن التعاطف مع الفلسطينيين واصل الارتفاع في الولايات المتحدة، وأن التحولات باتت تتجاوز الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وإن ظلت الفوارق السياسية والعمرية بين المجموعات الأمريكية كبيرة.

انتقادات تمتد إلى داخل المؤسسة السياسية الأمريكية

ويتزامن تحول المزاج الشعبي مع أصوات داخل المؤسسة السياسية الأمريكية تحذر من انعكاسات السياسة الإسرائيلية على الدعم التقليدي لإسرائيل.

وفي سبتمبر/أيلول، حذر عضو الكونغرس الديمقراطي براد شيرمان، المعروف تاريخياً بمواقفه الداعمة لإسرائيل، من أن اتساع العزلة الدولية يمكن أن يؤثر مستقبلاً في الدعم الأمريكي، وأشار، من بين عوامل أخرى، إلى عنف المستوطنين في الضفة الغربية والخطاب الصادر عن وزراء في الحكومة الإسرائيلية.

وتربط «هآرتس» كذلك بين تراجع صورة إسرائيل وبين الحرب في غزة، والحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وما تصفه الصحيفة بممارسات تمس تجمعات مسيحية فلسطينية في غزة والضفة والقدس الشرقية.

ولا تعني هذه التطورات انتهاء الدعم الرسمي الأمريكي لإسرائيل؛ إذ لا تزال واشنطن تقدم لها دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً، كما تواصل إدارة ترامب اتخاذ خطوات داعمة لإسرائيل في ملفات دولية، من بينها موقفها من المحكمة الجنائية الدولية.

لكن النقاش داخل إسرائيل يتركز بصورة متزايدة على الفارق بين استمرار التحالف الرسمي مع واشنطن وبين التغير الذي تظهره استطلاعات الرأي في موقف قطاعات من المجتمع الأمريكي، ولا سيما الشباب والديمقراطيين وبعض التيارات داخل الحزب الجمهوري.

«هآرتس»: خطاب الأمم المتحدة لا يغير المؤشرات

وجاءت افتتاحية «هآرتس» في أعقاب خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث دافع رئيس الحكومة الإسرائيلية عن سياساته العسكرية ورفض الانتقادات الدولية الموجهة إلى إسرائيل.

واعتبرت الصحيفة أن الخطاب لا يمكن أن يحجب ما وصفته بالتدهور المتواصل في صورة إسرائيل لدى الجمهور الأمريكي، ودعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى عرض بيانات استطلاعات الرأي والاتجاهات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة إلى جانب بث تصريحات نتنياهو.

وتقول الصحيفة إن القضية لم تعد تقتصر على علاقات نتنياهو مع إدارة أمريكية بعينها، وإنما أصبحت، وفق قراءتها، مرتبطة بتحولات أعمق داخل المجتمع الأمريكي يمكن أن تكون لها آثار بعيدة المدى على شكل العلاقة بين واشنطن وإسرائيل.

جدل إسرائيلي يتسع حول إدارة نتنياهو للأزمات

وتتقاطع القضيتان اللتان تتصدران النقاش في الإعلام العبري حالياً عند سؤال واحد يتعلق بطريقة اتخاذ القرار في عهد نتنياهو؛ فمن جهة تعيد وثائق اجتماعات سبتمبر وأكتوبر 2023 فتح ملف التقديرات والسياسات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، ومن جهة أخرى يدور نقاش حول انعكاسات سياسات الحكومة الحالية على مكانة إسرائيل الدولية وعلاقتها مع الولايات المتحدة.

وفي ملف السابع من أكتوبر تحديداً، تظهر الوثائق المنشورة حتى الآن أن القيادة السياسية كانت تعطي أهمية كبيرة للحفاظ على الهدوء في غزة وعدم الإضرار بفرصة التطبيع مع السعودية، في وقت كانت توجد فيه مؤشرات وتحذيرات متفرقة بشأن احتمال حدوث تصعيد.

لكن الخلاف لا يزال قائماً بشأن طبيعة المعلومات التي وصلت إلى نتنياهو ومدى وضوحها، ولا سيما التحذير المنسوب إلى القيادة الإماراتية، الذي ينفيه مكتب رئيس الحكومة، بينما تقول مصادر إعلامية إسرائيلية وأمريكية إنها حصلت على تأكيدات بشأنه من مصادر مطلعة.

أما في الولايات المتحدة، فتكشف بيانات استطلاعات حديثة عن تحول قابل للقياس في مواقف قطاعات واسعة من الجمهور الأمريكي تجاه إسرائيل ونتنياهو، فيما يدور الخلاف السياسي والإعلامي الإسرائيلي حول أسباب هذا التحول ومدى مسؤولية سياسات الحكومة الحالية عنه.

وبين الوثائق التي تعود إلى الأيام السابقة لهجوم 7 أكتوبر والاستطلاعات التي ترصد صورة إسرائيل بعد نحو ثلاثة أعوام، بات النقاش داخل الإعلام الإسرائيلي يتجاوز السؤال عن الإخفاق الأمني في ذلك اليوم إلى نقاش أوسع بشأن إدارة نتنياهو للملفات الأمنية والدبلوماسية، ومستقبل علاقات إسرائيل مع حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس