رفع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من نبرة تحديه للإدارة الأميركية، معلناً أن من ينتقد توسيع الاستيطان في القدس المحتلة يعرقل تحقيق السلام.
وجاء هذا الرد بعد بيانات إدانة شديدة اللهجة من جانب الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي لخطط نتنياهو لتوسيع المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين، واعتبارها أفعالاً تخالف الزعم بوجود نية لتحقيق السلام. وقد طلب الأردن باسم الكتلة العربية والإسلامية في الأمم المتحدة عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي للبحث في توسيع الاستيطان في القدس المحتلة.
واستغل نتنياهو مراسم وضع الحجر الأساس لميناء أسدود الجديد، ليصفي حسابه مع الإدارة الأميركية التي أدانت اتفاقه مع المستوطنين لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، ليقول: "سوف نواصل البناء في القدس، عاصمتنا الأبدية. بنينا في القدس ونحن نبني في القدس، وسوف نواصل البناء في القدس. لقد سمعت زعماً بأن بناءنا في الأحياء اليهودية في القدس يبعد السلام. إن الانتقادات هي ما يبعد السلام".
وأضاف أن "هذه الأقوال، المفصولة عن الواقع، هي التي تنمي أوهاماً لدى الفلسطينيين. فعندما يحرض (الرئيس الفلسطيني محمود) عباس على قتل اليهود في القدس وتسكت الأسرة الدولية، وحينما نبني في القدس يزيدون غضباً. أنا لا أقبل هذا المعيار المزدوج. مثلما يبني الفرنسيون في باريس، ويبني الانكليز في لندن، سيبني الإسرائيليون في القدس. سنواصل البناء في القدس ونواصل البناء هنا في أسدود".
وكانت الإدارة الأميركية قد نشرت بياناً أعلنت فيه عن قلقها من إعلان نتنياهو، مشيرة إلى أن "استمرار الاستيطان ومخططات البناء في القدس لا تستقيم مع الرغبة المعلنة لإسرائيل في الاستجابة لحل الدولتين". وأضافت أنه "إذا كانت إسرائيل معنية بالعيش بسلام، فينبغي لها اتخاذ خطوات تقلص التوتر".
وشددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين بساكي على "أننا نعارض بشدة الخطوات من طرف واحد التي تقرر سلفاً مصير القدس".
من جهته، دان الاتحاد الأوروبي خطط توسيع الاستيطان وطلب من إسرائيل توضيحات، مشدداً على أن مستقبل العلاقات بين إسرائيل والاتحاد يعتمد على مدى التزام إسرائيل بتحقيق سلام يقوم على حل الدولتين. كما قال متحدثون باسم وزارة الخارجية الأوروبية إنه "إذا صحت التقارير عن البناء، فإن ذلك يثير الشك في التزام إسرائيل بالمفاوضات والتوصل إلى حل".
ومما لا ريب فيه أن هذا التصعيد غير المسبوق من جانب نتنياهو في النبرة ضد الولايات المتحدة، حتى من دون أن يسميها، يقع في دائرة تبادل الصفعات الجاري حالياً مع الإدارة الأميركية.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ردت على إعلان إسرائيل خططاً لتوسيع الاستيطان في القدس الشرقية أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن، بإعلان إدانة شديدة لهذا الاستيطان بعد لحظات من اجتماع نتنياهو بأوباما. كما ردت واشنطن على اتهامات وزير الجيش موشي يعلون للسياسة الأميركية بالتخاذل ولوزير الخارجية جون كيري بـ"الهوس" و"المسيحانية"، برفض أي مسؤول سياسي أميركي، عدا وزير الدفاع تشاك هايغل، استقباله أثناء زيارته الأخيرة.
ويعتقد أن رد نتنياهو الشديد اللهجة على الموقف الأميركي يأتي في سياق المراهنة على أن الانتخابات النصفية للكونغرس خلال أيام تحمل الغلبة للجمهوريين والخسارة للديموقراطيين.
وكان نتنياهو قد أعلن أمس الأول، التزامه بالبناء "في كل أرجاء الضفة الغربية"، مشدداً على أن لا تغيير في السياسة الإسرائيلية تجاه الاستيطان. وشدد على أن "ما تغير ليس سياستنا تجاه البناء وإنما سياسة الآخرين تجاهنا"، قائلاً إن جهات من الخارج والداخل تزعم أنها مع الكتل الاستيطانية لكنها "لا تريدنا أن نبني في القدس".
وأضاف أنه في الأعوام الستة الماضية كانت "سبعة آلاف وحدة سكنية من بين عشرة آلاف بنيت في العاصمة في شرق المدينة، وفقط ثلاثة آلاف في غربها".حسب قوله
وفي هذا السياق، طلب الأردن من رئاسة مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع طارئ للبحث في الخطط الإسرائيلية الجديدة للاستيطان في القدس الشرقية. وجاء الطلب الأردني بعد تقديم المبعوث الفلسطيني إلى الأمم المتحدة رياض منصور، طلباً عاجلاً للبحث في الأزمة المتفاقمة في القدس الشرقية، بعدما أمر عباس بذلك.
ولم يحدد بعد موعد رسمي لعقد الاجتماع، لكن الطلب العربي أرفق بدعوة رئاسة المجلس لمطالبة إسرائيل "بالوقف الفوري لبناء المستوطنات غير الشرعية" في القدس الشرقية وغيرها من الأراضي المحتلة و"بالالتزام بطريق السلام الذي تخلت عنه بشكل واضح ومتهور".
وفي كل حال، فإن المراقبين في إسرائيل يلمحون في جنوح نتنياهو المتزايد نحو اليمين المتطرف ميلاً إلى تحديد مكانه في الحلبة الإسرائيلية. فهو من ناحية يريد ضمان الالتفاف على المعارضة اليمينية له داخل "الليكود" بالتوغل أكثر يميناً بحيث لا يترك لهم أي فرصة للمزايدة عليه. كما أنه، وهو يعرف ميل الجمهور الإسرائيلي المتزايد نحو اليمين، يشير إلى صورة ائتلافه المقبل: مع "البيت اليهودي" و"الحريديم" وليس مع "هناك مستقبل" و"إسرائيل بيتنا" من العلمانيين.
ومن الجائز أن ميله هذا ينبع أيضاً من مراهنته على فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأميركية وبالتالي تخفيف الضغط الأميركي عليه. وهناك من يجزم بأن طريق نتنياهو هذا مبني على آمال بأن يدخل التاريخ الإسرائيلي كرئيس حكومة قاد إسرائيل لأطول فترة ممكنة.
إلى ذلك، زار رئيس البلدية الإسرائيلية للقدس نير بركات المسجد الاقصى في البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة أمس، بحسب ما أعلن مكتبه، في زيارة أثارت استياء فلسطينياً.
وقال بيان صادر عن مكتب بركات إنه "زار جبل الهيكل (وهو الاسم الذي يطلقه اليهود على باحة المسجد الاقصى) برفقة مسؤول الشرطة في المنطقة لتقويم الوضع وفهم القضايا والتحديات في الموقع بشكل أعمق".
وتعقيباً على الزيارة، قال المدير العام لأوقاف القدس الشيخ عزام الخطيب لوكالة "فرانس برس"، "نرفض مثل هذه الزيارات لأنها لم تنسق مع دائرة الأوقاف صاحبة الموقع"، مؤكداً أن الزيارة "لم يتم تنسيقها مع الاوقاف ولم يكن لدينا علم بها مطلقا".
ورأى الخطيب أن الزيارة جاءت "كدعايات انتخابية ولها طابع سياسي خاص" كون بركات رئيس البلدية الإسرائيلية للقدس.
من جهتها، دانت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث بشدة ما وصفته "باقتحام" بركات للمسجد. وقالت إن "الاقتحام لا يمنح صاحبه الشرعية في اعتبار المسجد الاقصى جزءاً من نفوذ بلدية الاحتلال في القدس ولا يزيل إسلامية المسجد الأزلية".
