تحت ضغط أميركي ومفاوضات إقليمية متعثرة.. إسرائيل تدرس تقليص قواتها جنوب لبنان وحزب الله يرفض “حرية الحركة”

زامير في جنوب لبنان بحسب الجيش الإسرائيلي.jpg

تستعد إسرائيل لتقليص حجم قواتها البرية المنتشرة في جنوب لبنان، في خطوة تأتي وسط ضغوط أميركية متزايدة لإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي، واستعدادات لنقل مسؤولية بعض المناطق إلى الجيش اللبناني، في وقت لا يزال وقف إطلاق النار هشًا ومهددًا بالانهيار بفعل استمرار الخلافات حول الانسحاب الإسرائيلي وما تسميه تل أبيب “حرية العمل” ضد حزب الله.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية “كان”، مساء الأحد 21 يونيو/ حزيران 2026، بأن الجيش الإسرائيلي يتجه إلى خفض تدريجي لقواته في جنوب لبنان، بعد تقديرات عسكرية إسرائيلية تفيد بأن معظم “المهام الهجومية” في ما تسميه إسرائيل “الحزام الأمني” داخل الأراضي اللبنانية قد أُنجزت، بما يقلل، وفق الرؤية الإسرائيلية، الحاجة إلى الإبقاء على الحجم الحالي من القوات.

وبحسب التقرير، من المقرر أن تعقد طواقم التفاوض الإسرائيلية واللبنانية اجتماعًا هذا الأسبوع لبحث تحديد ما يُعرف بـ“المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، وهي مناطق يُفترض أن تُسلّم مسؤوليتها إلى الجيش اللبناني بعد إخلائها من عناصر حزب الله، بهدف اختبار قدرة الجيش اللبناني على منع عودة الحزب إليها.

وتضغط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق التقرير الإسرائيلي، باتجاه إعادة تموضع القوات الإسرائيلية حتى ما يعرف إسرائيليًا بـ“خط مضاد الدروع” أو “الخط الأصفر”، الواقع على مسافة تقارب ثمانية كيلومترات من الحدود، والذي تعتبره إسرائيل خطًا دفاعيًا لحماية بلدات الشمال من هجمات الصواريخ المضادة للدروع.

غير أن مصدرًا إسرائيليًا مطلعًا قال إن الجيش لن ينسحب من هذا الخط، لكنه قد ينسحب من مناطق سيطر عليها مؤخرًا في إطار التفاهمات الجارية، خصوصًا بعد أن وسّعت إسرائيل خلال الشهرين الماضيين انتشار قواتها إلى ما بعد الخط الأصفر.

وفي موازاة ذلك، ذكرت “كان” أن وقف إطلاق النار في لبنان ما زال صامدًا بصورة حذرة، ولم تُسجّل خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية أحداث استثنائية على الحدود، وذلك بعد تعليمات من المستوى السياسي الإسرائيلي للجيش بضبط النفس ووقف إطلاق النار ميدانيًا، في ظل المساعي الأميركية لمنع انفجار الجبهة مجددًا.

ويتركز أحد أبرز مواقع الانتشار الإسرائيلي في مرتفع علي الطاهر جنوب مدينة النبطية، حيث تقول إسرائيل إن حزب الله أقام، على مدى نحو عقدين، مقرًا محصنًا تحت الأرض يُعتقد أنه استُخدم لتخزين صواريخ إيرانية. ووفق التقرير الإسرائيلي، فإن القوات الإسرائيلية وصلت إلى محيط المنطقة لكنها لم تقتحم المقر حتى الآن، بعدما جُمّدت العملية بقرار سياسي خشية التأثير على المحادثات الأميركية–الإيرانية الجارية في سويسرا.

ونقلت الهيئة عن مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن الجيش ينتظر قرارًا سياسيًا بشأن الخطوة المقبلة، معتبرة أن المقاتلين الموجودين داخل المقر لا يشكلون “تهديدًا فوريًا” في الوقت الراهن لأنهم محاصرون داخله.

وفي المقابل، شدد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في كلمة متلفزة الأحد، على رفض أي صيغة لوقف إطلاق النار تمنح إسرائيل “حرية التصرف”، معتبرًا أن ذلك يعني استمرار العدوان وليس وقفًا له.

وقال قاسم إن وقف إطلاق النار يجب أن يعني وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية جوًا وبرًا وبحرًا، ووقف الهدم والتوغلات والتمركز داخل الأراضي اللبنانية، مؤكدًا أن بقاء الجيش الإسرائيلي على الأرض اللبنانية “مستحيل”، وأنه لا مكان لما تسميه إسرائيل “مناطق أمنية”.

وأضاف أن لبنان يمتلك جيشًا وطنيًا هو المسؤول عن الانتشار وحفظ السيادة، مشيرًا إلى أن حزب الله يتعاون مع الجيش اللبناني في هذا الإطار، داعيًا الحكومة اللبنانية إلى الاستفادة من المسار الدبلوماسي الإقليمي لمعالجة وضعها السياسي مع إيران والولايات المتحدة.

وتزامنت تصريحات قاسم مع مواقف إسرائيلية متشددة، إذ أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عزمه مواصلة السيطرة على ما يسميه “الشريط الأمني” في جنوب لبنان، فيما قال وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير إن إسرائيل لن تنسحب من المنطقة العازلة في الجنوب.

وخلال جولة ميدانية في جنوب لبنان، قال زامير إن حزب الله يمر بـ“وضع صعب جدًا”، زاعمًا أن الجيش الإسرائيلي ألحق به “ضربة قاسية وعميقة”، وأن القوات الإسرائيلية تواصل العمل لمنعه من إعادة بناء قدراته العسكرية. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في حالة جاهزية عالية، معتبرًا أن اتفاق وقف إطلاق النار “هش” وقد يتطلب انتقالًا سريعًا إلى الهجوم إذا صدرت أوامر بذلك.

وادعى زامير أن النشاط العسكري الإسرائيلي في منطقتي علي الطاهر وقلعة الشقيف يندرج ضمن هدف حماية بلدات الشمال، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي “حيّد” خلال الأيام الأخيرة بنية قيادية تابعة لحزب الله على مستوى ميداني متوسط، وفق الرواية الإسرائيلية.

وتأتي هذه التطورات بالتوازي مع تعثر متزايد في المفاوضات الأميركية–الإيرانية الجارية في منتجع بورغنشتوك السويسري، حيث تصدر الملف اللبناني جدول الأعمال في ظل ارتباطه بالتفاهمات الإقليمية الأوسع.

وأفادت تقارير دولية بأن طهران قدمت احتجاجًا رسميًا للوفد الأميركي على خلفية تصريحات وتهديدات للرئيس ترامب، فيما نقلت وسائل إعلام إيرانية أن الوفد الإيراني علّق مشاركته في المحادثات مؤقتًا بانتظار مشاورات داخلية تحدد ما إذا كان سيعود إلى الطاولة.

وقال رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف إن بلاده “لا تعتد بالتهديدات الأميركية”، داعيًا واشنطن إلى الحذر في تصريحاتها، ومؤكدًا أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة للرد إذا اقتضى الأمر.

وتشير مصادر إيرانية إلى أن طهران قد توقف أي مفاوضات مع الولايات المتحدة إذا لم يُنفذ البند المتعلق بإنهاء الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، فيما تقول واشنطن إن تقدمًا تحقق في الساعات الأولى من المحادثات، وإنها تسعى إلى اتفاق طويل الأمد يعالج ملفات الحرب، ولبنان، ومضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني.

وكانت إيران والولايات المتحدة قد أعلنتا في 14 حزيران/ يونيو الجاري التوصل إلى تفاهم بوساطة باكستانية، أُطلق عليه اسم “تفاهم إسلام آباد”، ودخل حيز التنفيذ لاحقًا، ويتضمن بنودًا تتعلق بإنهاء الحرب ومعالجة الخلافات عبر الحوار، بما يشمل لبنان وملفات إقليمية أخرى.

ومنذ 2 آذار/ مارس 2026، تشن إسرائيل عدوانًا واسعًا على لبنان، أسفر، وفق معطيات وزارة الصحة اللبنانية، عن استشهاد 4,106 أشخاص وإصابة 12,531 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص.

وبين الضغوط الأميركية، والتشدد الإسرائيلي، ورفض حزب الله أي صيغة تمنح تل أبيب حرية العمل داخل لبنان، تبدو الجبهة اللبنانية أمام مرحلة اختبار دقيقة، قد تحدد ما إذا كان وقف إطلاق النار سيتحول إلى مسار تهدئة مستدامة، أم يبقى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار عند أول قرار سياسي أو ميداني.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس/بيروت